• Tuesday, 21 April 2026
logo

"الكورد الفيليون بين التهجير والقهر…استعادة الذاكرة وصون الحقوق"

د. ضياء عبد الخالق المندلاوي

تمرّ بنا اليوم الذكرى السنوية السادسة والأربعون لتهجير الكورد الفيليين، لتستدعي إلى الذاكرة الجمعية واحدةً من أكثر المحطات قتامةً في تاريخ الدولة العراقية الحديثة؛ محطة لا تمثل مجرد حدث عابر، بل تكشف عن نمطٍ ممنهج من الإقصاء والاستهداف الذي طال مكوّناً أصيلاً من مكونات الشعب العراقي. فقد تعرّض الكورد الفيليون لسلسلة متراكمة من السياسات القمعية التي شملت التهجير القسري، وإسقاط الجنسية، ومصادرة الممتلكات، والتسفير الجماعي، وصولًا إلى الإبادة الجماعية، في انتهاكٍ صارخٍ لكل القيم القانونية والإنسانية.

ولم تكن هذه الإجراءات معزولة عن سياقها، بل جاءت ضمن مشروعٍ سياسي هدفه إعادة تشكيل البنية الديموغرافية والهوية الوطنية وفق رؤى إقصائية ضيقة. ففي ذروة تلك السياسات، ومع صدور القرار رقم 666 لسنة 1980 عن نظام البعثي البائد، جرى تهجير أكثر من 600,000 مواطن كوردي فيلي بذريعة “الأصول الأجنبية”، مع تغييب قسري لأكثر من 22,000 من شبابهم ونسائهم، في واحدة من أكبر عمليات الإخفاء القسري في تاريخ العراق المعاصر

كما شملت الانتهاكات احتجاز آلاف الشباب في السجون السرية وتصفيتهم جسدياً وفق القرار رقم 2884 لسنة 1980، وإبادة أكثر من 5000 شاب عبر التجارب الكيميائية والغازات السامة وأحواض التيزاب، نفذتها الوحدة العسكرية رقم 5013 من الصنف الكيميائي في الحرس الجمهوري. كما صدرت عشرات القرارات الجائرة، أبرزها القرار رقم 150 لسنة 1980 بتطليق الزوجات بالإكراه، وفرض التعريب، وإلغاء إجازات الاستيراد والتصدير، ومصادرة الأراضي، وتغيير أسماء القرى، وترحيل السكان، وشطب أسمائهم من سجلات النفوس (سجل 57)، مع توزيع استمارات تصحيح الهوية في مدن خانقين ومندلي وجلولاء والسعدية وبدرة والكميت، وصولًا إلى القرار رقم 199 لسنة 2001 الذي دفع العراقيين لتغيير قومياتهم، كلها جزء من الجرائم المنظمة بحق الكورد الفيليين.

وخلال تلك الحقبة، لم تكتفِ السلطة بممارسة التهجير، بل مارست أشكالاً مركبة من العنف المؤسسي، منها رمي العوائل على الحدود الإيرانية وسط حقول الألغام خلال الحرب العراقية الإيرانية، وهي ممارسات لا يمكن وصفها إلا كونها جريمة منظمة بحق الهوية والوجود.

ورغم جسامة هذه المأساة، لم يكن الكورد الفيليون مجرد ضحايا، بل كانوا "ولا يزالون" فاعلين أساسيين في التاريخ العراقي الحديث. فقد أسهموا بفعالية في الحركات الوطنية والكوردستانية، وشاركوا في دعم الثورة الكوردية، والتحقوا بصفوف البيشمركة، مقدمين تضحيات جسيمة دفاعاً عن مبادئ الحرية والعدالة. كما شكلوا قوة اقتصادية مؤثرة في المجتمع العراقي، من خلال حضورهم البارز في ميادين التجارة والصناعة، بما يعكس عمق اندماجهم في النسيج الوطني.

وفي هذا السياق، يبرز موقف الزعيم الكوردي الملا مصطفى البارزاني بوصفه أحد المرتكزات التاريخية الداعمة لحقوق الكورد الفيليين، حيث أكد على إدماجهم في مواقع القرار داخل الحركة الكوردية، انطلاقاً من إيمانه بوحدتهم العضوية مع بقية مكونات الشعب الكوردي. وقد استمر هذا النهج في المرحلة اللاحقة، من خلال الجهود التي بذلها الرئيس مسعود البارزاني لتعزيز تمثيلهم السياسي، والدفاع عن حقوقهم في المحافل الوطنية والدولية، بما في ذلك تسليط الضوء على ما تعرضوا له من جرائم إبادة جماعية.

وفي امتدادٍ عملي لهذا النهج، يكتسب الموقف الأخير المتمثل في تصويت الرئيس مسعود البارزاني لصالح النائب حيدر أبو تارة في الانتخابات البرلمانية الدورة السادسة عام ٢٠٢٥ ، دلالةً سياسية عميقة، إذ لا يمكن قراءته بوصفه دعماً لشخص بعينه، بقدر ما يعكس تأكيداً واضحاً على دعم تمثيل الكورد الفيليين في المؤسسات التشريعية، وحرصاً على إيصال صوتهم إلى مراكز صنع القرار. كما يشكل هذا الموقف رسالة ضمنية إلى القوى السياسية بضرورة التعامل مع الكورد الفيليين بوصفهم شريكاً حقيقياً في العملية السياسية، لا مجرد قضية مؤجلة.

غير أن التحول السياسي الذي شهده العراق بعد عام 2003، وعلى الرغم من أهميته، لم ينجح في معالجة قضايا الكورد الفيليين بصورة جذرية. فرغم الاعتراف الرسمي بمظلومية الكورد الفيليين، واعتبار ما تعرض له
جريمة إبادة جماعية “جونوسايد” وإدراج حقوقهم ضمن الإطار الدستوري والقانوني، لكن ما تزال فجوة التنفيذ قائمة، وما تزال العديد من القضايا العالقة، وفي مقدمتها الكشف عن مصير المغيبين، واسترجاع الممتلكات، فضلا عن الاجراءات المعقدة لاصدار البطاقة الوطنية، وغيرها تنتظر حلولاً جذرية تتجاوز الإطار الرمزي إلى الفعل المؤسسي.

من هنا، فإن استذكار هذه الذكرى لا ينبغي أن يظل محصوراً في بعده التوثيقي أو العاطفي، بل يجب أن يتحول إلى مشروع وطني متكامل، يقوم على إعادة الاعتبار التاريخي، وتحقيق العدالة الانتقالية، وتفعيل الآليات القانونية والمؤسسية الكفيلة بإنصاف هذا المكون. ويتطلب ذلك تبني سياسات واضحة تشمل التوعية المجتمعية، وإدماج القضية في المناهج التعليمية، وتوثيق الانتهاكات عبر مراكز بحثية ومتاحف متخصصة، فضلًا عن تمكين الكورد الفيليين من استعادة دورهم الكامل في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ختاما ان انصاف الكورد الفيليين لم يعد خياراً سياسياً قابلاً للمساومة، بل ضرورة أخلاقية وتاريخية، ومعيار حقيقي لمدى التزام الدولة العراقية بمبادئ العدالة والمواطنة، وارجاع حقوقهم المسلوبة الذي طال انظاره. فالمجد لهم، والعدالة لهم، ولن تسقط حقوقهم أبداً بالتقادم.
المجد والخلود لشهداء الكورد الفيليين
المجد والخلود لشهداء الكورد وكوردستان والعراق

 

 

 

 

Top