الأزمة السياسية في العراق وموقف الکورد بين بغداد والانقسام الداخلي
هورمان علي توفيق
شهد العراق في الآونة الأخيرة حالة معقدة من التداخل بين الأزمات الداخلية والصراعات الإقليمية، خاصة في ظل تصاعد وتیرة الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل، وانعكاساتها المباشرة وغير المباشرة على الساحة السياسية العراقية. وبسبب موقعه الجغرافي وتركيبته السياسية، أصبح العراق ساحة مفتوحة لتصفية توازنات القوى بين القوى الكبرى والمحاور الإقليمية، ما زاد من تعقيد الوضع الداخلي وأضعف فرص تحقيق الاستقرار.
داخلياً، لاتزال العلاقات بين الحكومة الاتحادية في بغداد وإقليم كوردستان متوترة، مع تراجع الثقة بشكل ملحوظ، خصوصاً فيما يتعلق بالنفط والميزانية والصلاحيات الدستورية. إلى جانب ذلك، يعاني المشهد السياسي الكوردي نفسه من انقسامات داخلية، أبرزها الخلافات بين القوى الكوردية الرئيسية وانتقال هذه الصراعات إلى بغداد، مما أضعف الموقف الكوردي الموحد وأتاح فرصاً للأطراف الأخرى لاستغلال هذه الانقسامات لتحقيق مصالحها.
ومن أبرز القضايا السياسية في الفترة الأخيرة الجدل المستمر داخل البرلمان العراقي حول منصب رئاسة الجمهورية، الذي جرت العادة أن يكون من نصيب الكورد. وكان من المفترض ألا يتحول هذا الملف إلى ساحة صراع لبقية المكونات العراقية، بل يُترك للأطراف الكوردية لحسمه داخلياً. إلا أن ما حدث هو تدخل الأطراف العربية، سنية وشيعية، وفق مصالحها، بالتنسيق مع أطراف كوردية خارج الإرادة الجماعية الكوردية، وهو أمر يُعد تجاوزاً، خاصة وأن الكورد لا يتدخلون في اختيار رئيس البرلمان أو رئيس الوزراء ويتركون القرار النهائي للمكونين السني والشيعي. وكان من المفترض أن يُعاملوا بالمثل، إلا أن الواقع يشير إلى تصاعد التوتر واتخاذ بعض الأطراف العربية مواقف متشددة تجاه المطالب الكوردية، وللآسف تنسجم بعض القوی الكوردية مع هذه الأجندات، ما يضر بمصالح الكورد والعراق على حد سواء.
أما بخصوص الموقف العربي، فيُلاحظ لدى بعض القوى العربية، سواء السنية أو الشيعية، نزعة قومية متشددة (شوفينية)، تنظر بريبة إلى مطالب الكورد، وتسعى أحياناً إلى تقليص نفوذهم داخل الدولة العراقية، وقد نجحت إلى حد ما في ذلك. ويتجلى هذا التوجه من خلال التحالفات السياسية والضغوط على الأطراف الكوردية، مستغلة الانقسامات الداخلية بينها، بل وتسهم بعض هذه القوى في تعميق الخلافات داخل البيت الكوردي.
في هذا السياق، يبرز سؤال مهم: هل يمكن للحزب الديمقراطي الكوردستاني تبني سياسة أكثر انفتاحاً وشمولًا تجاه بغداد، والتفكير بمنطق عراقي أوسع في المرحلة الحالية؟ وهل يتوافق ذلك مع توجهاته وبرامجه الاستراتيجية؟ وكيف سيتفاعل أعضاؤه ومؤيدوه مع مثل هذه الخطوة؟ وكم من الوقت قد يتطلب تنفيذها؟.
قد تتيح هذه السياسة فرصاً أكبر لتحقيق مكاسب سياسية داخل بغداد، من خلال بناء تحالفات أوسع وزيادة التأثير في صنع القرار على مستوى العراق، خاصة وأن الحزب يتمتع بقدر أكبر من الثقة والوزن لدى القوى السياسية العراقية مقارنة بغيره. ولو تم اعتماد مثل هذا النهج في وقت سابق، لربما كان الواقع مختلفاً اليوم. ومع ذلك، فإن هذا الخيار لا يخلو من المخاطر، خاصة بالنسبة لحزب يمتلك تاريخاً طويلاً، ولهذا فإن قيادة الحزب تتعامل معه بحذر، مع مراعاة البعد الوطني والقومي في مواقفها.
في المقابل، فإن الاستمرار في النهج القومي والدفاع عن الحقوق الدستورية والقانونية للكورد يحافظ على القاعدة الشعبية ويعزز الهوية القومية، لكنه قد يؤدي إلى مزيد من العزلة السياسية داخل بغداد، خصوصاً في ظل تصاعد القوى العربية التي تتبنى مواقف متشددة تجاه المطالب الكوردية.
وعليه، فإن التحدي الحقيقي أمام القوى الكوردية يكمن في تحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على المبادئ الوطنية والمشاركة الفاعلة في العملية السياسية العراقية، إلى جانب معالجة الانقسامات الداخلية لتعزيز الموقف التفاوضي ومنع استغلال هذه الخلافات من قبل الأطراف الأخرى. وهذا يتطلب استعادة الثقة والوصول إلى أرضية مشتركة لتجاوز المرحلة الحساسة التي تمر بها المنطقة.
يبقی الوضع الحالي حساسآ ومحفوفاً بالمخاطر لكونه من الممكن ان يدمر أهم المبادئ الآساسية التي بنية عليها العراق الجديد الا وهي التوافق والتوازن والشراكة بين مكوناته. ويحتاج الی رؤية استراتيجية بعيدة المدى تقوم على الوحدة الداخلية والمرونة السياسية والقدرة على التكيف مع المتغيرات الإقليمية والدولية.
روداو
