• Sunday, 26 April 2026
logo

حكومة بغداد: توصيف خاطئ أم احتجاج مبرر؟

حكومة بغداد: توصيف خاطئ أم احتجاج مبرر؟

د.فيصل صادق توفيق

  ليس من السهل اختزال أزمة دولة معقّدة كالعراق في عبارة واحدة، لكن أحيانا تختصر الكلمات ما تعجز عنه التقارير والدراسات. من هذه العبارات كثيرا ما نسمع ونرى استخدام عبارة "حكومة بغداد” التي تتردد على ألسنة سياسيين وإعلاميين ومواطنين من داخل العراق، سواء في إقليم كوردستان أو في المحافظات الأخرى، حقيقة انها لم تعد مجرد توصيف جغرافي عابر، بل تحولت إلى تعبير سياسي مكثف عن أزمة ثقة عميقة بين الدولة ومواطنيها. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل نحن أمام توصيف خاطئ يخالف الدستور، أم احتجاج مشروع يعبر عن واقع مختل؟

  لفهم هذا التحول في الخطاب، لا بد من العودة إلى طبيعة النقد السياسي غير المسبوق الذي وُجّه للحكومات العراقية في السنوات الأخيرة من قبل السياسيين العراقين انفسهم. فقد صرّح نوري المالكي في أكثر من مناسبة بأن الحكومات تعاني من ضعف في فرض هيبة الدولة وتماسك القرار الأمني، وهي تصريحات وردت في مقابلات وخطابات إعلامية متلفزة خلال السنوات الأخيرة. وفي سياق أكثر حدّة، دعا مقتدى الصدر إلى "ثورة إصلاح” ضد منظومة الحكم، واصفا إياها بأنها قائمة على الفساد والمحاصصة، كما ورد في بياناته الرسمية وخطاباته المعلنة، لا سيما خلال أزمات تشكيل الحكومات.

  أما حيدر العبادي فقد أطلق واحدة من أكثر العبارات دلالة حين قال إن "الفساد أخطر من الإرهاب”، وهو تصريح موثق في لقاءات إعلامية ومؤتمرات رسمية خلال فترة ما بعد الحرب على تنظيم داعش. بدوره، اعتبر إياد علاوي أن النظام السياسي "مختطف من قبل قوى متنفذة”، في تصريحات صحفية متعددة، فيما حذر عمار الحكيم من فقدان ثقة المواطنين بالدولة، داعيا إلى إصلاحات جذرية، وهي مواقف أعلنها في مؤتمراته وخطاباته السياسية. كذلك، أشار قيس الخزعلي إلى ضعف الحكومات في حماية السيادة الوطنية، في تصريحات إعلامية تناولت ملف الوجود الأجنبي والتدخلات الخارجية.

  هذه التصريحات، رغم قسوتها، ليست معزولة عن واقع موثق؛ إذ تشير تقارير رقابية واقتصادية متداولة إلى أن العراق فقد مئات المليارات من الدولارات بسبب الفساد منذ عام 2003، في ظل ضعف مؤسسات الرقابة وتداخل المصالح السياسية. ومع هذا النزيف المالي الهائل، لم يلمس المواطن تحسنا حقيقيا في الخدمات الأساسية، ما عمّق الشعور بالخيبة والإحباط.

فعلى مستوى الكهرباء، لا تزال الأزمة مستمرة رغم إنفاق عشرات المليارات، حيث تشهد معظم المدن العراقية انقطاعات متكررة، خاصة في فصل الصيف، ما أجبر المواطنين على الاعتماد على المولدات الأهلية. وفي قطاع التعليم، باتت ظاهرة الدوام المزدوج والثلاثي مؤشرا واضحا على سوء التخطيط وغياب الاستثمار الحقيقي في البنية التحتية. أما القطاع الصحي، فلا يزال يعاني من ضعف الإمكانات، الأمر الذي يدفع آلاف العراقيين سنويا إلى السفر خارج البلاد لتلقي العلاج.

في ظل هذا الواقع، لا يمكن النظر إلى استخدام مصطلح "حكومة بغداد” بوصفه مجرد خطأ في التوصيف، بل ينبغي فهمه كنوع من الاحتجاج الرمزي. فالمواطن الذي لا يرى أثرا ملموسا لسياسات الدولة في حياته اليومية، والذي يشعر بغياب العدالة في توزيع الثروات والخدمات، قد لا يتعامل مع الحكومة بوصفها ممثلًا لجميع العراقيين، بل كسلطة متمركزة في العاصمة، بعيدة عنه جغرافيا وسياسيا.

  اما من الناحية الدستورية، فلا خلاف على أن الحكومة الاتحادية، وفق دستور 2005، تمثل جميع العراقيين، وتمارس صلاحياتها على كامل أراضي الدولة ضمن نظام اتحادي يضمن التوازن بين المركز والأطراف. غير أن المشكلة في العراق لا تكمن في النصوص، بل في التطبيق. فكلما اتسعت الفجوة بين ما ينص عليه الدستور وما يعيشه المواطن، برزت تعبيرات بديلة تعبّر عن هذا الخلل، حتى وإن بدت مناقضة للدقة القانونية.

  وعليه، فإن الذين يستخدمون مصطلح "حكومة بغداد” من داخل العراق، يمكن اعتبارهم – إلى حد كبير – معذورين، ليس لأن توصيفهم دقيق من الناحية الدستورية، بل لأنه يعكس واقعا يشعرون به يوميا. إنهم لا ينكرون شرعية الدولة، بل يحتجون على أدائها، ولا يرفضون الفيدرالية كمبدأ، بل ينتقدون كيفية تطبيقها. والذين ينتقدون استخدام هذه العبارة فالاجدر بهم معالجة الواقع، لإن معالجة هذه الظاهرة لا تكون عبر تصحيح المصطلحات فقط، بل عبر تصحيح الواقع الذي أفرزها. فالدولة التي تنجح في تحقيق العدالة، وتوفير الخدمات، وضمان الشراكة الحقيقية بين جميع مكوناتها، لن تُختزل في مدينة، ولن يُنظر إلى حكومتها إلا بوصفها حكومة الجميع، فإذا أردتم لوم أحدٍ فلا تلوموا الآخرين وحدهم بل لوموا أنفسكم أيضاً .

  في المحصلة، فإن عبارة "حكومة بغداد” ليست مجرد توصيف لغوي، بل هي مرآة تعكس أزمة مركبة يعيشها العراق، تتداخل فيها السياسة مع الاقتصاد، والخدمات مع الشرعية، والنص الدستوري مع التطبيق العملي. وبين هذا وذاك، يبقى التحدي الأكبر هو استعادة ثقة المواطن، لأنها وحدها الكفيلة بإعادة الاعتبار للمفهوم الحقيقي للحكومة الاتحادية.

 

 

 

 

Top