شاخوان عبد الله… صوت لا يُقصى وثبات لا يُهزَم
د.ضياء عبدالخالق المندلاوي
قبل أيام، شهدت العملية السياسية أداء اليمين الدستورية لأعضاء مجلس النواب العراقي للدورة النيابية السادسة، بالتزامن مع انتخاب رئيس المجلس ونوابه. غير أن ما جرى لم يكن مجرد إجراء دستوري اعتيادي، بل كشف مجدداً عمق الإشكال البنيوي في إدارة العملية السياسية، حين تحوّل استحقاق دستوري واضح إلى ساحة تعطيل متعمّد وصراع إرادات. فقد رافق التصويت على منصب نائب رئيس مجلس النواب سلوكٌ سياسيٌّ مريب، قادته قوى معروفة، سعت بوضوح إلى كسر استحقاق الحزب الديمقراطي الكوردستاني، لا لسببٍ يتعلق بالكفاءة أو الأهلية، بل خشيةً من موقف سياسي صلب لا يقبل الترويض.
إن تعطيل التصويت على الدكتور شاخوان عبد الله لم يكن زلّة إجرائية ولا خلافاً عابراً، بل قراراً سياسياً محسوباً من قبل البعض، هدفه تحجيم دور الحزب الديمقراطي الكوردستاني داخل المؤسسة التشريعية، وإقصاء صوتٍ أثبت حضوره وتأثيره. فالدكتور شاخوان، خلال شغله موقعه في هيئة رئاسة البرلمان في الدورة السابقة، لم يكن رقماً بروتوكولياً، بل شكّل ركناً أساسياً في العمل البرلماني، وصوتاً دستورياً جريئاً في الدفاع عن الشراكة الاتحادية، وصيانة حقوق إقليم كوردستان، ورفض تحويل البرلمان إلى غرفة صفقات أو أداة تمرير.
ولم يكن انزعاج تلك القوى من مواقفه وليد المصادفة، بل لأن صراحته سلّطت الضوء على نهجٍ سياسيٍّ اعتاد إدارة الشأن العام بمنطق التسويات غير المعلنة، والتعامل مع الدستور بوصفه وثيقة انتقائية. وقد أسهم شاخوان عبد الله في إعادة ترتيب معادلات سياسية فُضِّلت فيها، خلال مراحل سابقة، نوابٌ محدودو المواقف، ومناصب بلا مضمون، ومؤسسة تشريعية تُدار بالاتفاقيات أكثر من الاحتكام الصريح إلى القانون والدستور.
وعليه، فإن التحدي لم يكن شخصياً، بل ارتبط بما يمثّله شاخوان عبد الله من نموذج سياسي داخل الحزب الديمقراطي الكوردستاني؛ نموذج يرفض التفريط بالمبادئ أو المساومة على الحقوق، ويقدّم موقفاً سياسياً يُربك الحسابات الضيقة، ويواجه منطق الغلبة والإقصاء على حساب الشراكة والتوازن. وهذا النهج، بطبيعة الحال، لم يلقَ قبولاً لدى قوى تفضّل برلماناً منزوع الأسئلة، ومناصب بلا مواقف، ومؤسسة تشريعية تُدار بمنطق إخضاع الأصوات لا احتضانها. ويكفي في هذا السياق التذكير بإشادة الرئيس مسعود بارزاني بأداء الدكتور شاخوان، وهي إشادة لا تُمنح إلا لمن أثبت القدرة على تحمّل كلفة الموقف والالتزام بثوابت العمل السياسي المسؤول.
لقد سعى معطّلو الاستحقاق إلى فرض نائب بلا ثقل سياسي ولا امتداد جماهيري، في محاولة فاضحة لتجاوز إرادة أكثر من مليون وثمانين ألف ناخب منحوا ثقتهم للحزب الديمقراطي الكوردستاني في انتخابات عام 2025. إلا أن هذه المحاولات اصطدمت بحقيقة راسخة: أن الاستحقاقات الدستورية لا تُلغى بالمناورات، وإرادة الناخب لا تُكسر بالالتفاف، وحقوق الشركاء لا تُختزل بحسابات ضيقة. فبقي منصب نائب رئيس مجلس النواب استحقاقاً ثابتاً للحزب الديمقراطي الكوردستاني، ورسالة سياسية واضحة لكل من يراهن على إضعافه أو تحجيم دوره الوطني.
واليوم، ومع تسلّم الدكتور فرهاد أتروشي، أحد القيادات البارزة في الحزب، يتواصل النهج ذاته: وضوح في الرؤية، والتزام صارم بالدستور، ورفض قاطع لإدارة الدولة بمنطق تحجيم الشريك السياسي الفاعل. وهو امتداد طبيعي لمدرسة سياسية لا ترى في المناصب غاية، بل وسيلة لحماية التوازن الوطني وترسيخ الشراكة الحقيقية.
ختاماً، جسّد الدكتور شاخوان عبد الله في الدورة البرلمانية السابقة نموذجاً صادقاً لمعنى المسؤولية النيابية ودورها الحقيقي، وسيبقى رقماً صعباً في المعادلة السياسية، وقيادياً متقدماً داخل الحزب الديمقراطي الكوردستاني، حاضراً بدوره ومؤثراً بموقفه. ويكفي أن يُستشهد بأدائه من قبل الرئيس مسعود بارزاني، فحين تصدر الإشارة من القائد، فإنها تتحول إلى شهادة سياسية وتاريخية. وسيظل شاخوان كالصقر في علوّه، وكالأسد في ثباته؛ أرعبهم بوضوح الموقف لا بضجيج الكلام، لأن من يقف بثبات لا يُقصى، بل يُهاب.
