• Monday, 02 February 2026
logo

مصر والكورد.. جذور التاريخ وآفاق الشراكة في زمن الاضطراب

مصر والكورد.. جذور التاريخ وآفاق الشراكة في زمن الاضطراب

نبيل عمر

تُعد زيارة مسرور بارزاني إلى مصر حدثًا يتجاوز طابعه البروتوكولي إلى دلالات تاريخية وسياسية وثقافية عميقة، فهي ليست مجرد زيارة رسمية، بل استعادة لمسار طويل من العلاقات المتشابكة بين مصر والأكراد، علاقات تعود جذورها إلى قرون بعيدة، حين تشكّل التاريخ المشترك على أرض السياسة والحرب والثقافة والحضارة. إن مشهد “الحفيد الذي يزور مصر كما زارها الجد” يحمل رمزية كثيفة، تختصر علاقة لم تنقطع، وإن خفت بريقها أحيانًا، لكنها ظلت حيّة في الذاكرة والتجربة.

العلاقة بين مصر والكورد علاقة ضاربة في عمق التاريخ، ويكفي أن نستحضر اسم صلاح الدين الأيوبي، القائد الكوردي الذي جاء إلى مصر حاكمًا، فوحّدها وقاد منها معركة مصيرية غيّرت وجه المنطقة، حين هزم الصليبيين وأعاد للقدس مكانتها. لم يكن صلاح الدين مجرد قائد عسكري، بل كان مؤسسًا لدولة ذات رؤية، رسّخ فيها قيم العدالة والتسامح، وجعل من مصر مركزًا سياسيًا وحضاريًا في العالم الإسلامي. ومنذ ذلك الحين، ظل الحضور الكوردي جزءًا لا ينفصل عن نسيج التاريخ المصري.

وتأتي زيارة بارزاني في توقيت بالغ الحساسية، تمر فيه المنطقة بواحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا وتعقيدًا. صراعات مفتوحة، توازنات هشة، وتحديات سياسية وأمنية تهدد استقرار دول وشعوب بأكملها. في مثل هذا السياق، تكتسب أي خطوة نحو تعزيز العلاقات الإقليمية قيمة مضاعفة، خاصة حين تكون بين طرفين يملكان رصيدًا تاريخيًا وثقافيًا مشتركًا، ورؤية قادرة على الإسهام في تهدئة التوتر وبناء مساحات للحوار.

إن الكورد اليوم يمثلون عنصرًا مهمًا في معادلة الشرق الأوسط، ليس فقط بوصفهم قومية لها امتدادها الجغرافي والديموغرافي، بل أيضًا بما يحملونه من ثقافة وحضارة ورؤية سياسية تسعى إلى تثبيت الحقوق والحفاظ على الهوية والتراث. حرص الكورد على صون ثقافتهم ولغتهم وذاكرتهم التاريخية لا ينفصل عن سعيهم للمشاركة الإيجابية في استقرار المنطقة، وهو ما يجعل تعزيز العلاقات معهم خطوة تصب في مصلحة الإقليم ككل.

وفي هذا الإطار، يبرز الدور الإقليمي لمصر بوصفه ركيزة أساسية للاستقرار. فمصر، بتاريخها ومكانتها وثقلها السياسي، قادرة على لعب دور محوري في بناء جسور التواصل بين مختلف الأطراف، سواء في علاقتها مع الكورد أو في توازن علاقاتها مع قوى إقليمية أخرى، من بينها تركيا. إن شبكة العلاقات المصرية، القائمة على البراغماتية والعمق التاريخي، تمنحها قدرة خاصة على إدارة التباينات وتحويلها إلى فرص للتعاون.

ولعل ما يميّز العلاقة المصرية الكوردية أنها لم تقتصر يومًا على السياسة وحدها، بل امتدت إلى المجتمع والثقافة والفكر. فالتاريخ المصري زاخر بأسماء مفكرين ومثقفين وفنانين وشعراء وسياسيين من أصول كوردية، هاجروا إلى مصر عبر العصور، واستقروا فيها، وتشبعوا بثقافتها وحضارتها، وأسهموا في بنائها وإثرائها. لم يكونوا ضيوفًا عابرين، بل أصبحوا جزءًا أصيلًا من نسيج المجتمع، وشاركوا في صياغة الوجدان الثقافي والفني والسياسي للبلاد.

هذا التداخل الإنساني العميق خلق علاقات اجتماعية وعائلية ومصاهرات، جعلت من الروابط بين مصر وكوردستان روابط دم وحياة يومية، لا مجرد علاقات مصالح عابرة. وهو ما يفسر ذلك الشعور المتبادل بالقرب والانتماء، الذي يظهر في لحظات اللقاء الرسمية كما في التفاعلات الشعبية.

ومن خلال الزيارات المتبادلة والخبرات المباشرة، تتأكد حقيقة أن الشعب الكوردي شعب مضياف، غني بثقافته، متمسك بتقاليده، ومنفتح في الوقت ذاته على الآخر. تجربة زيارة كردستان تكشف عن مجتمع حيّ، يوازن بين الأصالة والتطلع إلى المستقبل، وهو ما يفتح آفاقًا واسعة للتعاون الثقافي والسياحي والاقتصادي.

إن المرحلة المقبلة مرشحة لأن تشهد تطورًا أكبر في العلاقات المصرية الكوردية، على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فالتحديات المشتركة تفرض شراكات أعمق، والرغبة المتبادلة في الاستقرار والتنمية تخلق أرضية صلبة للتعاون. وحين تلتقي المصالح مع التاريخ، وتتعانق السياسة مع الثقافة، تصبح العلاقة أكثر قدرة على الصمود والاستمرار.

في المحصلة، لا يمكن النظر إلى زيارة بارزاني لمصر باعتبارها حدثًا عابرًا، بل هي محطة في مسار طويل من العلاقات، وتأكيد على أن ما يجمع مصر والكورد أكبر من تقلبات اللحظة. إنها علاقة تاريخ وحضارة ومصير مشترك، تتجدد اليوم بأمل أن تكون أكثر نضجًا وفاعلية، في زمن أحوج ما تكون فيه المنطقة إلى الحكمة وبناء الجسور.

 

 

 

كوردستان24

Top