• Friday, 30 January 2026
logo

استراتيجية جديدة للأمن الوطني للولايات المتحدة الأمريكية 2025

استراتيجية جديدة للأمن الوطني للولايات المتحدة الأمريكية 2025

د.شيرزاد النجار

حصرياً-لكولان العربي

في الرابع من ديسمبر 2025، أصدرت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استراتيجية جديدة للأمن الوطني، انتقدت فيها حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا، وتعهدت بتعزيز نفوذها في نصف الكرة الغربي. وتُشير مبادئ الوثيقة - التي شددت على مبدأ عدم التدخل ووضع "أمريكا أولاً" - إلى تغيير جذري عن استراتيجية الأمن الوطني السابقة لعام ٢٠٢٢، التي حددت دور الولايات المتحدة في تعزيز الديمقراطية والحفاظ على السلام في ظل النظام العالمي الحالي.

أن إصدار هذه الوثيقة الجديدة، في رأي ريك لاندغراف Rick Landgraf الباحث الأمريكي في مؤسسة   War on the Rocks في دراسة له بعنوان Ten Jolting Takeaways from Trump’s New National Security Strategy، تُشكّل صدمةً للنظام. فهي ليست مجرد أحدث تعبيرٍ علني عن المبادئ والطموحات والأولويات التي تُنظّم الولايات المتحدة سياستها الخارجية حولها، بل تبدو كبيانٍ لمشروعٍ أمريكيٍّ مختلفٍ جذرياً. إنها أضيق نطاقاً، وأكثر تحزباً، وأكثر تركيزاً على الذات، وأكثر تخصيصاً من أيّ من سابقاتها.

(I)

مقدمة: ما هي الاستراتيجية الأمريكية؟

لضمان بقاء أمريكا أقوى وأغنى وأقوى وأنجح دولة في العالم لعقود قادمة، فإنه يحتاج إلى استراتيجية متماسكة ومركزة لكيفية تفاعله مع العالم.

في تقييم للإستراتيجية الأمريكية الجديدة للأمن الوطني 2025، يلاحظ المعهد الأمريكي  U.S. Naval Institute عجز الاستراتيجيات الأمريكية منذ نهاية الحرب الباردة (بداية التسعينيات القرن الماضي)عن تحقيق أهدافها، فقد كانت مجرد مجموعة من الأمنيات أو الغايات المنشودة؛ ولم تحدد بوضوح ما تريده الإدارة الأمريكية، بل عبرت عن نفسها بعبارات مبهمة؛ وكثيرًا ما أخطأت في تقدير ما يجب أن تريده. ويضيف المعهد أنه بعد نهاية الحرب الباردة، أقنعت نخب السياسة الخارجية الأمريكية نفسها بأن الهيمنة الأمريكية الدائمة على العالم بأسره تصب في مصلحة البلد. ومع ذلك، فإنها لم تهتم بشؤون الدول الأخرى إلا إذا هددت أنشطتها مصالح أمريكا واستراتيجيتها بشكل مباشر. لقد أخطأت تلك النخبة استعداد أمريكا لتحمل أعباء عالمية دائمة لم ير الشعب الأمريكي أي صلة لها بالمصلحة الوطنية. لقد بالغوا في تقدير قدرة أمريكا على تمويل تلك الهيمنة والقاعدة الصناعية التي يعتمد عليها التفوق الاقتصادي والعسكري ودبلوماسي واستخباراتي الأمريكي الى جانب مساعدات خارجية ضخمة. إضافة الى تلك الحالات، فان النخبة راهنت رهانات مضللة ومدمرة للغاية على العولمة وما يُسمى "التجارة الحرة"، وسمحوا للحلفاء والشركاء بتحميل الشعب الأمريكي تكاليف دفاعهم، بل أحياناً عمل الحلفاء إلى إقناع الإدارة الأمريكية للدخول في صراعات وجدالات جوهرية لمصالحهم، التي لا صلة لها بمصالح امريكا. وربطوا السياسة الأمريكية بشبكة من المؤسسات الدولية، بعضها مدفوع بمعاداة صريحة لأمريكا، وكثير منها بنزعة عابرة للحدود الوطنية تسعى صراحةً إلى تقويض سيادة الدول الفردية.

عليه كان ضروريا تصحيح الوضع وانتبه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الفترة الأولى لرئاسته (2017-2021) الى هذا الوضع الذي كان يمثل، حسب رأي ديفيد ساكس الباحث بمجلس العلاقات الخارجية الأمريكية، حُقبةً من "تنافس القوى العظمى" مع الصين، حيث وصفت تلك الاستراتيجية الصين بأنها قوةٌ تعديليةٌ تسعى إلى "تشكيل عالمٍ مناقضٍ لقيم ومصالح الولايات المتحدة" و"إزاحة الولايات المتحدة من منطقة المحيطين الهندي والهادئ". كانت الاستراتيجية واضحةً تمامًا بشأن التحدي المعقد وطويل الأمد الذي تُشكّله الصين على الولايات المتحدة. في هذا الإطار نجح الرئيس الأمريكي ترامب وفريقه في حشد نقاط القوة الأمريكية لتصحيح المسار والبدء في تدشين عصر ذهبي جديد لأمريكا. إن مواصلة الولايات المتحدة على هذا المسار هو الهدف الأسمى لإدارة الرئيس ترامب الثانية، ولهذه الوثيقة.

في حين أن هذه الأهداف الاستراتيجية لن تُصبح بالضرورة سياسةً عامة، فإن إعلانها صراحةً يُمثل تحولاً جذرياً عن استراتيجية الأمن الوطني التي أصدرها الرئيس الأمريكي السابق بايدن عام ٢٠٢٢. مدير الأبحاث الدولية باينا Payne من تشادم هاوس Chatham House   يرى أن هذه الإستراتيجية الجديدة "تمثل رفضاً جوهرياً وصريحاً لاستراتيجيات الأمن الوطني التي طُوّرت منذ نهاية الحرب الباردة على الأقل"، قبل أن يُضيف: "إنها أوضح ما تكون: إنها ليست العقيدة الليبرالية الدولية التقليدية التي دعمت الاستراتيجية الأمريكية الكبرى لعقود".

من الطبيعي أن تكون هذه الاستراتيجية أقرب إلى محاولة ترامب الأخيرة عام ٢٠١٧. لكن بالنسبة للدكتور روبريك بيغون، مُحاضر العلاقات الدولية في جامعة كينت بإنجلترا، فإن هذا يتماشى مع التغييرات الأوسع نطاقاً في ولايته الثانية. وحسب رأيه فإن وثيقة الاستراتيجية أقرب إلى رؤية ترامب الفريدة للعالم من رؤيته عام 2017، مضيفًا أن هذا يعود جزئياً إلى أن "ترامب أكثر ارتياحاً في منصبه هذه المرة، ويحيط به عدد أكبر من أعضاء فريقه الخاص، بدلًا من شخصيات المؤسسة".

الأسئلة المطروحة أمامنا الآن، يؤكد معهد U.S. Naval Institute، هي:

1) ما الذي ينبغي أن تريده الولايات المتحدة؟   

2) ما هي الوسائل المتاحة لتحقيقه؟

3) كيف يمكن ربط الغايات والوسائل في استراتيجية أمن وطني قابلة للتطبيق؟

سنحاول تغطية هذه الأسئلة من خلال التطرق الى النقاط الرئيسية الواردة في وثيقة الأمن الوطني الجديد كالاتي:

(II)

أمريكا أولا

“America First”

لتحقيق الهدف الأساسي للإستراتيجية الأمريكية للأمن الوطني 2025 (أمريكا أولا “America First )، فإن السياسة الخارجية الأمريكية للرئيس ترامب يجب أن تكون " براغماتي pragmatic دون أن تكون "براغماتية pragmatist "، وواقعي realist دون أن تكون "واقعية “idealistic "، ومبدئي principled دون أن تكون "مثالية idealistic "، وحازم muscular دون أن تكون "صقوريّة hawkish "، ومُقيّدة restrained دون أن تكون "حمائمية “dovish إنها لا ترتكز على أيديولوجية سياسية تقليدية."

يريد الرئيس الأمريكي ترامب أن تُعطي الولايات المتحدة أولويةً متزايدةً لنفسها على الصراعات العالمية، في تغييرٍ جذريٍّ عن العقود الأخيرة. ورغم أن هذا يُجسّد مبدأ "أمريكا أولاً"، إلا أن الأمر ليس بهذه البساطة.

كان شعار "أمريكا أولاً" شعاراً رئيسياً للرئيس ترامب، ولكن الآن يبدو أن "أمريكا أولاً" أقرب إلى الواقع من أي وقت مضى، بعد إصدار الوثيقة التي تُحدد السياسة الخارجية للإدارة الأمريكية، حيث جاء في مقدمة تلك الوثيقة: "في كل ما نقوم به، نضع أمريكا أولاً". إنها تُعزز، بعباراتٍ باردةٍ وعدوانيةٍ أحياناً، فلسفة ترامب "أمريكا أولًا"، التي تُفضّل عدم التدخل في الخارج، وتُشكّك في عقودٍ من العلاقات الاستراتيجية، وتُعطي الأولوية للمصالح الأمريكية فوق كل اعتبار، لذلك جاء في الوثيقة أن الاستراتيجية الأمريكية "مُحفّزةٌ في المقام الأول بما يُناسب أمريكا - أو، باختصار، "أمريكا أولًا".

(III)

الهيمنة على أوربا

الباحثة البارزة في الشؤون الأوربية في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية ليانا فيكس ترى أن استراتيجية الأمن الوطني الجديدة لإدارة الرئيس ترامب تحدد أن المشكلة الجوهرية للقارة الأوروبية تكمن في إهمال القيم "الغربية" و"فقدان الهويات الوطنية" بسبب الهجرة و"انخفاض معدلات المواليد". وبالتالي ستكون النتيجة هي الركود الاقتصادي، والضعف العسكري، و"المحو الحضاري" لأوروبا، ويُتهم أوروبا بالرقابة وقمع المعارضة السياسية، يصور الاتحاد الأوروبي بعبارات عدائية، مدعيًا أن هذا الكيان قد قوّض "الحريات السياسية" و"السيادة". ومما يثير قلق الأوروبيين بشكل خاص تأييد الأحزاب اليمينية المتطرفة والهدف المعلن المتمثل في "تعزيز المقاومة... داخل الدول الأوروبية". سينظر الحلفاء الأوروبيون إلى هذا على أنه محاولة غير مقبولة للتدخل في شؤونهم الداخلية. إذا كان اختبار الحليف الأوروبي الجيد هو مدى توافقه مع القيم المحافظة لإدارة ترامب، كما تشير هذه الاستراتيجية، فإن هذا لا يبشر بالخير لمستقبل العلاقة عبر الأطلسي. فهذه الاستراتيجية الجديدة لا تُمثّل نهاية التحالف عبر الأطلسي القائم على القيم الليبرالية فحسب، بل تُمثّل أيضًا إعادة توجيه نحو تحالف غير ليبرالي.

تُجنّب روسيا أي انتقاد في الاستراتيجية، واللافت للنظر أنها لم تُصنّف كخصم للولايات المتحدة. بدلاً من ذلك، يُنتقد الأوروبيون لغياب جهود سلام حقيقية في أوكرانيا وتوقعاتهم "غير الواقعية"، والتي يُزعم أنها تتعارض مع رغبة الشعب الأوروبي في السلام. فيما يتعلق بروسيا وأوكرانيا، تُولي استراتيجية الأمن الوطني الأولوية للعلاقة بين الولايات المتحدة وروسيا كقوى عظمى، وتُركز على الاستقرار الاستراتيجي (تندرج معاهدة ستارت الجديدة ضمن هذه الفئة)، بالإضافة إلى إدارة التصعيد مع روسيا في أوروبا. تلتزم استراتيجية الأمن الوطني ببقاء أوكرانيا "كدولة قابلة للحياة" وإعادة إعمارها، لكنها لا تُوضح كيفية تحقيق هذا الهدف. بينما تُضيف الاستراتيجية أن الولايات المتحدة تريد من حلف الناتو "منع واقع" "تحالف دائم التوسع"، تُكتب الإدارة أنها تُعارض سياسة الباب المفتوح التي ينتهجها الناتو.

كما تُشير استراتيجية الأمن الوطني إلى أن أوروبا لا تزال حيوية استراتيجيًا وثقافيًا للحفاظ على القدرة التنافسية للولايات المتحدة. وهذا يُشير إلى مستوى مُعين من التوافق المُنشود في سياسة تجاه الصين "لمكافحة فائض القدرة التجارية وسرقة التكنولوجيا". ومع ذلك، ينطبق هذا تحديدًا على أوروبا الوسطى والشرقية والجنوبية، الموصوفة بـ"الدول السليمة" التي ينبغي توسيع العلاقات معها، بينما يُستهدف حلفاء قدامى في أوروبا الغربية، مثل ألمانيا، تحديدًا لمواصلة الاعتماد عليها.

تسعى الولايات المتحدة إلى "استعادة التفوق الأمريكي في نصف الكرة الغربي" من خلال تعزيز مبدأ مونرو لعام 1823 - وهو سياسة أمريكية تعود إلى القرن التاسع عشر في معارضة الاستعمار الأوروبي والتدخل في الأمريكيتين.

إلى جانب ردع النفوذ الأجنبي في نصف الكرة الغربي، ستسعى الولايات المتحدة إلى مكافحة تجارة المخدرات والهجرة غير الشرعية مع تشجيع "الاقتصادات الخاصة".

وتنص الوثيقة على: "سنكافئ ونشجع حكومات المنطقة وأحزابها السياسية وحركاتها التي تتوافق بشكل عام مع مبادئنا واستراتيجيتنا".

وقد وضع الرئيس ترامب هذا النهج موضع التنفيذ بالفعل من خلال دعمه العلني للسياسيين المحافظين في أميركا اللاتينية وإنقاذ الاقتصاد الأرجنتيني في عهد الرئيس اليميني خافيير ميلي بمبلغ 40 مليار دولار.

تقول الوثيقة: "سنحرم المنافسين من خارج نصف الكرة الأرضية من القدرة على نشر قوات أو قدرات تهديدية أخرى، أو امتلاك أو السيطرة على أصول حيوية استراتيجيًا، في نصف الكرة الأرضية الخاص بنا".

وتضيف: "إنّ موقف وسياسة ترامب" لمبدأ مونرو هي استعادة منطقية وفعّالة للقوة والأولويات الأمريكية، بما يتوافق مع المصالح الأمنية الأمريكية".

وتدعو استراتيجية الأمن الوطني أيضًا إلى نقل الأصول العسكرية الأمريكية إلى نصف الكرة الغربي، "بعيدًا عن مسارح العمليات التي تراجعت أهميتها النسبية للأمن الوطني الأمريكي في العقود الأخيرة".

تأتي هذه الاستراتيجية في الوقت الذي تُصعّد فيه الولايات المتحدة هجماتها القاتلة على قوارب في البحر الكاريبي والمحيط الأطلسي، والتي تقول إنها تحمل مخدرات.

كما أمرت إدارة الرئيس الأمريكي ترامب بتعزيزات عسكرية حول فنزويلا، مما أثار تكهنات بأن واشنطن قد تسعى للإطاحة بالرئيس اليساري نيكولاس مادورو بالقوة.

(IV)

العلاقة مع الصين وجنوب شرق آسيا

في دراسة للباحث علي حرب بعنوان: خمس نقاط رئيسة من إستراتيجية ترامب للأمن القومي يشير الى أنه و حسب الإستراتيجية الأمن الوطني الأمريكي الأخيرتان (في الفترة الأولى لرئاسة ترامب وفترة الرئيس بايدن) فإن المنافسة مع الصين كانت لها الأولوية القصوى للولايات المتحدة. لكن الاستراتيجية الجديدة للأمن الوطني الأمريكي 2025 لم تُسلّط الضوء على التنافس مع بكين، بل سلّطت الضوء على ضرورة الفوز بالمنافسة الاقتصادية في آسيا وإعادة التوازن التجاري مع الصين. ولتحقيق هذه الغاية، شدّدت على ضرورة العمل مع الحلفاء الآسيويين لتوفير ثقل موازن لبكين، وعلى الأخص الهند، حيث جاء في الوثيقة: "يجب أن نواصل تحسين العلاقات التجارية (وغيرها) مع الهند لتشجيع نيودلهي على المساهمة في أمن منطقة المحيطين الهندي والهادئ". وبيّنت الوثيقة، يلاحظ حرب، مخاطر استيلاء الصين على تايوان بالقوة لأنه سيمنح الصين إمكانية الوصول إلى سلسلة الجزر في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وسيُعزّز موقعها في بحر الصين الجنوبي، وهو شريان حيوي للتجارة العالمية. بهذا الصدد تؤكد الإستراتيجية الجديدة: "لذا، فإن ردع أي صراع حول تايوان، من خلال الحفاظ على التفوق العسكري الأمثل، يُعد أولوية". وفي نفس الوقت دعت الاستراتيجية شركاء الولايات المتحدة في المنطقة إلى زيادة إنفاقهم العسكري لردع الصراع، "لكن الجيش الأمريكي لا يستطيع، ولا ينبغي أن يضطر، إلى القيام بذلك بمفرده. يجب على حلفائنا أن يكثفوا جهودهم وينفقوا - والأهم من ذلك - أن يفعلوا المزيد من أجل الدفاع الجماعي".

 

(V)

تحويل التركيز من الشرق الأوسط

الشرق الأوسط لم يعد يتمتع بالأولوية الاستراتيجية القصوى للولايات المتحدة، تؤكد الاستراتيجية الجديدة للولايات المتحدة الأمريكية، وأن الاعتبارات السابقة التي جعلت المنطقة بالغة الأهمية - وتحديدًا إنتاج الطاقة وانتشار الصراعات - "لم تعد قائمة"، ومع تكثيف الولايات المتحدة إنتاجها من الطاقة، "سيتراجع السبب التاريخي لأمريكا في التركيز على الشرق الأوسط"، كما تؤكد الاستراتيجية.

وتُوضح الاستراتيجية الجديدة أيضاً، يكتب حرب، بأن الصراع والعنف في المنطقة آخذان في الانحسار، مستشهدةً بوقف إطلاق النار في غزة والهجوم الأمريكي على إيران في يونيو/حزيران، والذي قالت إنه "أضعف بشكل كبير" برنامج طهران النووي.

وتقول الاستراتيجية: "لا يزال الصراع يُمثل الديناميكية الأكثر إثارة للقلق في الشرق الأوسط، لكن هذه المشكلة اليوم أقل وطأة مما قد توحي به عناوين الأخبار".

وتوقعت الإدارة الأمريكية، يكتب حرب، مستقبلًا ورديًا للمنطقة، قائلةً إنه بدلًا من الهيمنة على مصالح واشنطن، سيصبح الشرق الأوسط "بشكل متزايد مصدرًا ووجهة للاستثمار الدولي"، بما في ذلك في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث أن الشرق الأوسط هو منطقة "ناشئة كوجهة للشراكة والصداقة والاستثمار".

لكن في الواقع، يؤكد الباحث علي حرب من الجزيرة، لا يزال الشرق الأوسط يعاني من الأزمات والعنف. فرغم الهدنة في غزة، استمرت الهجمات الإسرائيلية شبه اليومية، مع تصاعد الغارات المميتة التي يشنها المستوطنون والجنود ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، وان إسرائيل صَعّدت غاراتها الجوية على لبنان، مما زاد المخاوف من هجوم شامل آخر على البلاد لنزع سلاح حزب الله المُنهك بالقوة.

في سوريا، وبعد مرور عام على سقوط حكومة الرئيس السابق بشار الأسد، واصلت إسرائيل عمليات التوغل والضربات في محاولة للسيطرة عسكريًا على جنوب البلاد، بما يتجاوز مرتفعات الجولان المحتلة.

وبفضل التزامها الراسخ بأمن إسرائيل، لا تزال الولايات المتحدة متغلغلة بعمق في المنطقة، مع استمرار وجودها العسكري في سوريا والعراق ومنطقة الخليج.

وتُقر استراتيجية الأمن القومي بأن للولايات المتحدة مصالح رئيسية في الشرق الأوسط، بما في ذلك ضمان "بقاء إسرائيل آمنة" وحماية إمدادات الطاقة وممرات الشحن.

ولكن، تؤكد الإستراتيجية الجديدة، ولحسن الحظ، ولّت أيام هيمنة الشرق الأوسط على السياسة الخارجية الأمريكية، سواءً في التخطيط طويل المدى أو في التنفيذ اليومي، ليس لأن الشرق الأوسط لم يعد مهماً، بل لأنه لم يعد مصدر إزعاج دائم، ومصدراً محتملاً لكارثة وشيكة، كما كان في السابق.

(VI)

الاستنتاج

إن ما ورد في استراتيجية الأمن الوطني الجديدة 2025، توضح الباحثة هاردنك Harding من المعهد الأمريكي:

the Center for Strategic and International Studies (CSIS) هو مُقلق للغاية ومُبالغ فيه في بعض المواضع. على سبيل المثال، تتأرجح الفقرة التالية من الإستراتيجية الجديدة بين البهجة والغضب: "إن وقف الصراعات الإقليمية قبل أن تتفاقم وتتحول إلى حروب عالمية تُجر قارات بأكملها أمرٌ جدير باهتمام القائد العام، وأولوية لهذه الإدارة. إن عالمًا مُشتعلًا، حيث تصل الحروب إلى شواطئنا، أمرٌ سيءٌ للمصالح الأمريكية. يستخدم الرئيس ترامب الدبلوماسية غير التقليدية، والقوة العسكرية الأمريكية، والنفوذ الاقتصادي لإخماد جذوة الانقسام بين الدول النووية والحروب العنيفة الناجمة عن قرون من الكراهية". من غير الواضح، تقول هاردنك، كيف يُمكن إخماد جذوة الانقسام. لكن السلام أفضل بكثير من الحرب. الحرب جحيمٌ حقيقي. يزدهر العالم عندما يكون في سلام ويعمل معًا لمواجهة التحديات العالمية. لقد أثبت نصف القرن الماضي أن الوجود الأمريكي القوي يعزز أهداف السلام والازدهار، وقد عزز الرئيس ترامب نفسه قضية السلام بنشاط وعزيمة. مع ذلك، يجب ألا تكون هذه الجهود لمرة واحدة.

من الجدير دفع تكاليف مناسبة على المدى القصير لتحقيق مكاسب طويلة الأجل من السلام الأمريكي. هذه التكاليف هي استثمارات في الأمن والتجارة المفتوحة والديمقراطية والتحالفات. إن إغفال هذه الركائز الأساسية للسلام العالمي، تؤكد هاردنك، لن يجعل أمريكا أولًا؛ بل سيجعلها ضعيفة.

 

 

Top