لماذا عبرنا المليون صوت؟ لأننا لم ننحنِ لأحد
محمد خضر شنكالي
لم يكن عبور الحزب الديمقراطي الكوردستاني حاجز المليون صوت في الانتخابات الأخيرة حدثاً عابراً، ولا ثمرة ظرفٍ مؤقت أو موجة عاطفية. بل هو تتويج لمسيرةٍ طويلة من الثبات، ورصيدٍ متراكم من المواقف الصلبة والرؤية الواضحة التي اتّخذها الحزب في أكثر اللحظات حرجًا من تاريخ إقليم كوردستان والعراق والمنطقة على حدّ سواء.
لقد حاول البعض أن يُفسِّر هذا الإنجاز الجماهيري الكبير من زاويةٍ خدميةٍ بحتة، وكأنّ أصوات الناس تُشترى بالمشاريع وتُقاس بميزان الطرق والمستشفيات فحسب. بيد أن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. نعم، الخدمات والتنمية والإدارة الرشيدة عناصر أساسية في بناء الثقة، لكن ما جعل الملايين يتجهون إلى صناديق الاقتراع بإيمانٍ راسخ، هو الإحساس بالكرامة السياسية والاستقلالية الوطنية التي يمثلها الحزب الديمقراطي الكوردستاني.
ففي زمنٍ تتقاذفه إرادات القوى الإقليمية والدولية، ظلّ هذا الحزب ثابتًا كجبلٍ لا تميله الرياح، يقرر ما يراه حقًا دون أن يمدّ يده خفيةً أو يخفض رأسه طاعةً. هذه الاستقلالية في القرار، وهذه الصلابة في الموقف، منحت الناخب شعوراً نادراً بالأمان والاحترام، إذ وجد في الحزب صوتاً لا ينكسر، وإرادة لا تُشترى.
ولم يكن هذا الثبات وليد المصادفة، بل ثمرة قيادة مركزية رصينة تُدير المواقف بعقلٍ فذٍّ وقلبٍ دافئ، تجمع بين الحكمة والشجاعة، فلا تفرّط بالثوابت، ولا تغامر بالمصالح العليا للشعب الكوردي. قيادة تفهم معنى الصداقة كما تفهم معنى الخصومة، وتحافظ على اتزانها في السراء والضراء.
إن عبور المليون صوت ليس رقماً انتخابياً فحسب، بل هو تصويت على هوية، وإقرارٌ شعبيٌّ بأن الاستقلالية لا تُقدَّر بثمن، وأن الموقف الشريف في زمن المساومات هو أعظم خدمة يمكن أن تُقدَّم للشعب.
لذلك، فإن هذا الإنجاز الانتخابي الكبير هو في جوهره رسالة واضحة: إنّ الأمة لا تصوّت فقط لمن يُعبّد الطرق، بل لمن يُعبّد كرامتها.
ولا تختار من يوزّع الوعود، بل من يحفظ الوعود الكبرى في وجه العواصف.
إن المليون صوت التي ارتفعت باسم الحزب الديمقراطي الكوردستاني هي مليون شهادة ولاء للثبات، ومليون إعلان ثقة بأنّ القرار الكوردي يجب أن يبقى حرّاً، شامخاً، لا يخضع إلا لإرادة شعبه.
