الرئيس مسعود بارزاني قائد مرحلة ودفاع عن حقوق الشعب الكوردي
عبدالرحمن حبش
من يقرأ تاريخ القضية الكوردية خلال العقود الماضية، لا يمكنه تجاوز اسم الرئيس مسعود بارزاني، الذي شكّل أحد أبرز رموز النضال الوطني الكوردي، وقاد مرحلةً مصيريةً من تاريخ الشعب الكوردي بحكمةٍ وحنكةٍ سياسيةٍ نادرة. فهو لم يكن مجرد زعيمٍ سياسي، بل كان قائدَ مرحلةٍ تاريخيةٍ فارقة في مسيرة الدفاع عن هوية وحقوق الأمة الكوردية، وفي بناء تجربة كوردستان العراق التي أصبحت اليوم نموذجًا للاستقرار والتطور في منطقةٍ تعصف بها الأزمات.
منذ توليه قيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني خلفًا لوالده الراحل البارزاني الخالد ملا مصطفى بارزاني، حمل الرئيس مسعود بارزاني راية النضال بنفس الروح والإيمان بقضية شعبه. ورث من والده قيم الثورة والكرامة، وأضاف إليها بعدًا سياسيًا ودبلوماسيًا مكّنه من تحويل الحلم الكوردي من شعارٍ إلى مشروعٍ سياسيٍّ واقعيٍّ له أسس ومؤسسات.
قاد بارزاني مرحلة ما بعد الانتفاضة الكوردية عام 1991، التي مهدت لولادة كيانٍ إداري كوردى وشبه مستقل، فعمل على ترسيخ وحدة الصف الكوردي وتثبيت مؤسسات الحكم الذاتي رغم الظروف الصعبة والحصار الدولي آنذاك. وبعد سقوط النظام العراقي عام 2003، لعب دورًا محوريًا في صياغة الدستور العراقي الدائم الذي اعترف رسميًا بإقليم كوردستان ككيانٍ فدراليٍ دستوري، وباللغة الكوردية كلغةٍ رسميةٍ إلى جانب العربية. لقد كان هذا الاعتراف ثمرةَ نضالٍ طويلٍ قاده بارزاني بعقلانيةٍ سياسيةٍ ورؤيةٍ استراتيجيةٍ تجاوزت العاطفة وردود الفعل.
كما برزت قيادة الرئيس بارزاني في أوقات الأزمات الكبرى، خصوصًا خلال هجوم تنظيم داعش عام 2014، حين وقف في الخطوط الأمامية مع قوات البيشمركة مدافعًا عن أربيل وكركوك وسنجار ومخمور، ليؤكد أن الدفاع عن كوردستان ليس واجبًا حزبيًا بل واجبًا وطنيًا مقدسًا. تلك المرحلة رسخت صورته كقائدٍ ميدانيٍ وشعبيٍ في آنٍ واحد، يجمع بين الجرأة في الموقف والمسؤولية في القرار.
وعلى مستوى الحركة السياسية الكوردستانية في عموم أجزاء كوردستان، كان للرئيس مسعود بارزاني الدور الأبرز في دعمها وتقويتها، سواء في كوردستان سوريا أو في كوردستان إيران وتركيا، مؤمنًا بأن وحدة الخطاب السياسي الكوردي هي الضمانة الأساسية لصون الحقوق وتحقيق المطالب القومية. لم يتعامل مع الكورد خارج إقليم كوردستان كقضايا منفصلة، بل كجسدٍ واحدٍ تتوزع أجزاؤه بين حدودٍ رسمها الآخرون، فعمل على مدّ جسور التواصل والتفاهم بين القوى الكوردية ، داعمًا الحوار والتقارب، ورافضًا الاقتتال والانقسام الداخلي. كان يرى أن قوة كوردستان تكمن في وحدة إرادة أبنائها في كل مكان.
أما على الصعيد الإقليمي والدولي، فقد استطاع بارزاني أن يُعرّف العالم بالقضية الكوردية بوصفها قضية شعبٍ يسعى للحرية والكرامة، لا مشكلةً أمنية أو إقليمية. اعتمد سياسة الانفتاح وبنى علاقاتٍ متينة مع مختلف دول العالم على أساس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل. واستطاع عبر شبكةٍ واسعةٍ من العلاقات أن يجعل من كوردستان عامل استقرارٍ في الشرق الأوسط لا مصدر توتر. فكان لحنكته الدبلوماسية دورٌ أساسيٌّ في تعزيز مكانة الإقليم كشريكٍ فاعلٍ في محاربة الإرهاب، وكمركزٍ لجذب الاستثمارات وبناء جسور الثقة مع المجتمع الدولي.
وفي الوقت نفسه، جسّد الرئيس مسعود بارزاني رؤيةً واضحةً في بناء ثقافة وطنية كوردية معاصرة قائمة على التعايش السلمي والديمقراطية واحترام التنوع القومي والديني والمذهبي. رسّخ مفهوم القيادة الخادمة للشعب، لا المتسلطة عليه، وغرس في الأجيال الجديدة قناعةً راسخة بأن الحقوق تُنتزع بالوعي والإصرار، لا بالعنف والصدام.
إن تجربة الرئيس مسعود بارزاني لا يمكن اختزالها في السياسة فقط، بل هي مدرسة في القيادة والرؤية والمسؤولية التاريخية. فقد استطاع أن يجمع بين الإرث الثوري والرؤية المستقبلية، بين الواقعية السياسية والإيمان بالحق التاريخي للشعب الكوردي، ليبقى اسمه رمزًا للنضال والكفاح من أجل أمةٍ تتطلع إلى الحرية والسلام.
لقد كان وما زال الرئيس مسعود بارزاني قائدَ مرحلةٍ بامتياز، حمل لواء الدفاع عن حقوق الشعب الكوردي في كل ميادين السياسة والعسكرية والدبلوماسية، وعمل من أجل سلامٍ دائمٍ واستقرارٍ حقيقيٍ في كوردستان والعراق والمنطقة بأسرها، ليبقى رمزًا لوحدة الصف، وعنوانًا للكرامة الوطنية الكوردية.
