انتخابات العراق 2025.. الشراكة والتوازن والتوافق عنوان المرحلة
د. ابراهيم احمد سمو
تسير الحملة الانتخابية في كوردستان هذه المرة بخطى هادئة ومدروسة، تختلف عن سابقاتها في الشكل والمضمون. فالشارع الكوردستاني، بكل أطيافه، يبدو أكثر وعيًا ونضجًا في التعامل مع هذا الاستحقاق السياسي. الناس هذه المرة لا يبحثون فقط عن الوعود، بل عن الواقعية والمسؤولية، وعن خطابٍ يعبّر عن طموحهم دون أن يُشعل التوتر أو يزرع الانقسام.
شعار الانتخابات الحالي للحزب الديمقراطي الكوردستاني – الشراكة، التوازن، والتوافق – لم يأتِ من فراغ. إنه تعبير عن حاجةٍ داخليةٍ عميقةٍ لفهم المرحلة، والتعامل مع تعقيداتها بروح التعاون لا التناحر. لقد تجاوز الشارع الكوردي فكرة الصراع على المقاعد، وأصبح أكثر إدراكًا لأهمية الوحدة وتكامل الجهود. حتى التفاعل العربي مع هذا الشعار بدا لافتًا، إذ رأى فيه كثيرون توجهًا عقلانيًا ومسؤولًا يعكس ثقافة سياسية راقية تسعى لبناء جسور الثقة بين كوردستان والعمق العراقي والعربي.
الانتخابات اليوم ليست معركة أرقام أو أصوات فحسب، بل هي امتحانٌ للأخلاق السياسية، واختبارٌ لقدرتنا على إدارة الخلافات ضمن الإطار الوطني. ومن هنا، فإن المطلوب منا جميعًا أن نكون على مستوى هذا الوعي، وأن نحافظ على ضميرنا الوطني حيًّا ومتزنًا. فإرضاء النفس لا يكون بالانفعال أو التعصب، بل بالعمل الجاد، وبإيماننا بأن الديمقراطية ليست انتصارًا على الآخر، بل تكاملٌ معه في خدمة الوطن.
الهدوء الذي يطبع الحملة الانتخابية هذه المرة ليس ضعفًا، بل هو علامة قوةٍ وثقةٍ بالنفس. إنه أول استحقاق يُدار بهذا القدر من الانضباط والالتزام، في ظل تغيّر واضح في أسلوب القيادة السياسية والإعلامية للحملة. وقد لمس الشارع هذا التغير في الخطاب والممارسة على حد سواء، بدءًا من رأس الهرم الكوردي، الرئيس مسعود بارزاني، الذي وجّه بدعم الهدوء، ونبذ التشنج، والابتعاد عن المهاترات، والتركيز على الجوهر: الدفاع عن حقوق الجميع دون تمييز بين كوردي أو عربي أو أي مكوّنٍ آخر.
لقد كان لخطاب الرئيس تأثيرٌ بالغ في ضبط الإيقاع العام للحملة، وفي ترسيخ ثقافةٍ جديدة في العمل السياسي الكوردي، قائمة على الاحترام والتوازن والمسؤولية. فالتوجيهات كانت واضحة: لا مكان للغة الاستفزاز، ولا مبرر للتوتر، بل واجبٌ علينا أن نحافظ على السلم الأهلي، وأن نرفض أي شكلٍ من أشكال الظلم، أيًّا كان مصدره أو اتجاهه.
أما المرشحون، فقد أظهروا في معظمهم التزامًا بهذه الرؤية، وتعاملوا مع العملية الانتخابية بروحٍ تنافسيةٍ راقية. ورغم الظروف المالية الصعبة، ومحاولات البعض استخدام الرواتب كورقة انتخابية للضغط أو الاستفزاز، فإن يقظة الشارع الكوردي كانت أكبر من تلك المحاولات. الناس باتوا يدركون أن القضايا المعيشية لا تُحل بالشعارات، وأن الاستقرار لا يُبنى على الانفعال، بل على التخطيط والصدق في الأداء.
لقد أثبت الناخب الكوردي نضجًا سياسيًا استثنائيًا في هذه المرحلة. فهو لم يعد أسيرًا للعاطفة وحدها، بل أصبح يزن الأمور بعقله وتجربته. وما زاد من وعيه هو ذلك الخطاب الهادئ، البعيد عن العصبية، المنطلق من روح البارزانية الأصيلة في الدعوة إلى التآخي، والتسامح، والعمل المشترك. فالرئيس مسعود بارزاني، وهو يسير على نهج الأب الروحي الخالد مصطفى بارزاني، رسّخ مفهوم القيادة الأخلاقية التي لا تُفرّق بين أبنائها، بل تعتبرهم جميعًا شركاء في خدمة كوردستان.
هذا النهج جعل كثيرين من المراقبين، سواء من داخل كوردستان أو من العمق العربي والعراقي، ينظرون بإعجاب إلى هذا الهدوء الواعي. فقد تحوّل الاستحقاق الانتخابي إلى نموذجٍ يُحتذى في إدارة الخلافات داخل البيت الواحد. لم تعد المنافسة تُفسد العلاقات، بل أصبحت وسيلةً للتنوع والإثراء السياسي.
والأجمل من ذلك أن الحزب، كما أوضح قادته، لا يرى الخسارة خسارة، ولا الفوز فوزًا شخصيًا، بل يعتبر كل مرشحٍ جزءًا من جسده السياسي. فمن فاز فهنيئًا له وللحزب معًا، ومن لم يفز فهنيئًا له أيضًا لأنه ساهم بصوته وجهده في دعم الحزب وخدمته من موقع آخر.
بهذا المفهوم، تتحول الانتخابات من سباقٍ على المقاعد إلى مسارٍ جماعيٍ نحو النضج الديمقراطي، ومن معركةٍ سياسية إلى فرصةٍ لترسيخ القيم الوطنية التي آمن بها الشعب الكوردي على مدى تاريخه الطويل.
لقد آن الأوان أن نُدرك أن كوردستان لا تُبنى إلا بالتوازن والتوافق والشراكة. هذه ليست مجرد شعارات انتخابية، بل فلسفة حكمٍ ومسار وطنيٍ طويل. فحين نضع ضميرنا أمام الوطن، ونرتقي بخطابنا، ونتعامل مع الآخر باحترام، نكون قد أرضينا أنفسنا، وتركنا لأجيالنا القادمة وطنًا يسوده السلام والاستقرار والكرامة.
