• Saturday, 31 January 2026
logo

لماذا اجرينا الإستفتاء؟

لماذا اجرينا الإستفتاء؟

جواد ملكشاهي

منذ توقيع معاهدة سايكس بيكو بين الدول الكبرى في عام 1916 التي كانت معاهدة سرية بين فرنسا والمملكة المتحدة بمصادقة الإمبراطورية الروسية وإيطاليا على اقتسام منطقة الهلال الخصيب بين فرنسا وبريطانيا، ولتحديد مناطق النفوذ في غرب آسيا وتقسيم الدولة العثمانية التي كانت المسيطرة على تلك المنطقة في الحرب العالمية الأولى، واستحداث دول جديدة في المنطقة، تم تقسيم الأمة الكوردية رغمًا عن ارادتها بين الدول المستحدثة في الشرق الأوسط (العراق،سوريا،) وبين ايران وتركيا اللتان كانتا امبراطوريتين امتدت هيمنتهما الى مناطق اسيا الوسطى والخليج ومناطق البلقان في قلب القارة الأوروبية ولكن نتائج الحرب العالمية الأولى غيرت الخارطة السياسية والجغرافية في المنطقة وتقلص نفوذ كلا الإمبراطورتين ومنذ ذلك الوقت الى اليوم،يسعى الشعب الكوردستاني الخلاص من الإحتلال والهيمنة.

خاض شعب كوردستان في الأجزاء الأربعة، نضالا شاقًا و مريرًا ودمويًا،وتعرض الى شتى انواع جرائم القتل والتشريد والإبادة الجماعية، لانريد الخوض في تفاصيلها، وبرغم الجرائم البشعة ونزيف الدم الذي سال على ارض كوردستان،لكن الشعب الكوردي لم يركع، امام جبروت وامكانيات وقدرات تلك الدول،بل واصل النضال بالكفاح المسلح تارة والحوار تارة اخرى،لنيل حقوقه المشروعة.

بعد انتهاء الحرب الباردة وتفكك الإتحاد السوفيتي، واتباع سياسة دولية جديدة في المنطقة لتقاسم النفوذ وتأمين المصالح، جاءت الفرصة لشعب جنوب كوردستان، للقيام بإنتفاضة شعبية وتحرير ارضه وبناء كيان اقليم كوردستان بدعم من الدول الكبرى، ورغم جميع التحديات والضغوطات والتهديدات،فقد احتكمت القيادة في الأقليم لسياسة العقل والمنطق والحكمة والواقعية في التعامل مع الدول المحيطة والعالم، وبنت علاقات جيدة مع الجميع على اساس المصالح المشتركة.

مع اسقاط النظام العراقي من قبل قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الامريكية في ربيع 2003،وانطلاق العملية السياسية لبناء عراق ديمقراطي جديد  بناءًا على التفاهمات والإتفاقيات السابقة بين قوى المعارضة العراقية وكتابة الدستور،ظن غالبية شعب كوردستان، ان عهد  الظلم والإستبداد و القتل والجريمة والإبادة الجماعية قد ولى الى الأبد، وستبدأ صفحة جديدة مع نظام يستند الى القانون والدستور الذي صوت عليه اكثر من 80% من ابناء الشعب العراقي.

لكن الرياح لم تجر بما تشتهي السفن،عندما قامت القوى المشاركة في العملية السياسية،بشكل او بآخر في تتراجع عن وعودها ،بالمماطلة والتسويف في تنفيذ المادة 58 من قانون ادارة الدولة، التي تحولت بعد المصادقة على الدستور للمادة (140) واستمرت على السياسة ذاتها، أي بعدم تنفيذ المادة المذكورة، التي تشكل اساس وجوهر الخلافات بين بغداد واربيل،وتلعب دورا مهمًا في تعزيز الامن والإستقرار في العراق والمنطقة.

طبقًا لما ورد في الدستور كان من المقرر ان ينتهي تنفيذ المادة (140) على ثلاثة مراحل (التطبيع، التعداد، الإستفتاء) في نهاية 2007،لكن اليوم قد مرَّ اكثر من 18 عامًا وماتزال المادة مجمدة من قبل الحكومات الإتحادية المتوالية.

اضافة الى سياسة المماطلة والتسويف التي مارستها الحكومات المتعاقبة في العراق بعد 2003 في تنفيذ المادة المذكورة ،بدأ تنفيذ مشروع جديد من قبل بعض القوى السياسية العراقية المرتبطة بالأجندة الإقليمية، وهي استمرار سياسة التعريب في المناطق الكوردستانية خارج الإقليم واعادة الوافدين الذين استلموا تعويضات مادية مضاعفة الى تلك  المناطق، وممارسة الضغوطات الإقتصادية والأمنية على حكومة و شعب كوردستان، فضلًا عن تقليص الدور الكوردي في الوزارات والمؤسسات الإتحادية،واخرها شن حرب اقتصادية لتجويع شعب الاقليم عبر قطع حصته القانونية من الموازنة وقطع رواتب الموظفين على مدى اكثر من 11 عامًا، بغية نسف كيان اقليم كوردستان واعادة عقارب الساعة الى الوراء.

كل تلك السياسات والممارسات ولدت خيبة امل واحباط كبيرين لدى القيادة والشعب في اقليم كوردستان في التوصل الى حل جذري و شراكة حقيقية على الأقل لبناء دولة مواطنة حقيقية، يشعر فيها المواطن الكوردي وابناء المكونات الأخرى بانهم مواطنون من الدرجة الأولى.

نظرًا لتلك السياسة العدوانية والممارسات غيرالإنسانية التي مارسها الشركاء في الوطن، والتي تعد امتدادًا لسياسات وممارسات النظم السابقة،قررت القيادة في اقليم كوردستان إجراء الإستفتاء الشعبي بخصوص تقرير المصير طبقًا ل(الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومبادئ حق تقرير المصيرالتي كفلتها القوانين الدولية) وبعد اجتماعات القيادة ومناقشات متستفيضة بأشراف الرئيس مسعود بارزاني،قدم المشروع الى برلمان كوردستان الذي كان يمثل غالبية الشعب ،وتقرر اجراؤه في 25/9/2017، وفي التأريخ المحدد وعبر عملية ديمقراطية سلمية،صوت 92.73% من ابناء الشعب الذي كان يحق لهم المشاركة، لصالح استقلال كوردستان.

للأسف بدل ان تحترم الحكومة العراقية خيار شعب كوردستان في تقرير المصير والدخول في حوار مع قيادة الإقليم بشأنه، جوبهت الإرادة الحرة لشعب كوردستان من قبل الحكومة الإتحادية بخطوات انفعالية بعيدة عن الحكمة والعقلانية، بتشديد الحصار الاقتصادي وتحريك القوات العسكرية نحو المناطق المشمولة بالمادة 140 وفرضت سيطرتها عليها بالقوة العسكرية المفرطة خلافًا للقانون والدستور الذي يمنع استخدام القوة العسكرية لحل الخلافات السياسية، وماتزال سياسة التجويع والتعريب والضغط النفسي مستمرة على قدم وساق لثني شعب كوردستان عن المطالبة بحقوقه المشروعة ، الا ان كل تلك السياسات والممارسات لم تتمكن من كسر ارادة الشعب وهيبته، ومايزال الكوردستانيون،يتحملون الحصار الجائر وسياسة التجويع بصبر يفوق التصور،وهذا دليل حي على ان قرار الإستفتاء كان قرارا صائبا وستكون نتائجه ورقة تفويضية مصادق عليها من قبل الشعب بيد الأجيال المقبلة لإستخدامها في الوقت والظروف المناسبين،لتقرير مصيرها والخلاص من الظلم والإضطهاد بشكل جذري.

Top