• Tuesday, 03 February 2026
logo

ويسي باني: من الجبال إلى الخلود

ويسي باني: من الجبال إلى الخلود

احمد زيبر باني 

 

في تاريخ الشعوب هناك أسماء لا يبهت بريقها مهما مرّ الزمن، لأنها لم تعش لأجل ذاتها بل ذابت في قضايا أوطانها حتى تحولت إلى رموز. ومن بين هذه الأسماء، يظل الشهيد ويسي باني علامة فارقة في سفر الثورة الكوردية؛ رجل عاش للجبال، وارتقى منها إلى الخلود.

وُلد ويسي باني في حضن جبال كوردستان، في بيئة لم تكن تعرف الرفاهية لكنها كانت غنية بالقيم؛ الكرم، الشجاعة، والوفاء. الجبال التي تحمي القرى وتقاوم العواصف كانت مدرسته الأولى، منها تعلم الصلابة في وجه الشدائد، ومنها ورث الصبر على الجراح، ومنها فهم أن الأرض ليست مجرد تراب، بل هوية وكرامة وانتماء.

لم يكن باني قائدًا عسكريًا فقط، بل كان رجلًا بسيطًا يحمل قلبًا رحيمًا. عُرف بودّه وطيبته، وكان يعامل البيشمركة كإخوة لا كجنود، يواسيهم في التعب، ويشاركهم في الجوع، ويجلس بينهم كأحدهم. كان يحب المثقفين ويقدّر الفكر كما يقدّر البندقية، ويرى أن الثورة لا تنتصر بالسلاح وحده بل بالفكر المستنير الذي يزرع في القلوب إيمانًا راسخًا بالحرية.

ولذلك لم يكن غريبًا أن يصفه البارزاني الخالد بالقول:

“كيفما تضع كمية من اللبن في الماء فسيظهر تأثيره، هكذا هو ويسي باني، دوره واضح في الثورة.”

ولم يكن أقل شأنًا ما قاله الرئيس مسعود بارزاني عنه:

“ويسي باني هو العمود الفقري لثورتي أيلول وكولان.”

هذا الإقرار من قادة بحجم البارزانيين يكفي ليدرك التاريخ أن ويسي باني لم يكن رقمًا عابرًا في سجل الثورة، بل كان ركناً راسخًا في بنيانها.

بعد نكسة 1975، حين خلت كوردستان من البيشمركة، اختار ويسي باني أصعب الطرق. لم يرضَ المنفى، ولم يبحث عن ملاذ شخصي، بل طلب العودة إلى أحضان الوطن ليبدأ من جديد. وحين سُئل عمّا يحتاجه قال:

“بندقيتي، حذائي، وملابسي تكفيني… أهل القرى سيطعموننا. يكفيني أن أعود إلى كوردستان وأقاتل.”

بهذا الموقف جسّد باني فلسفة نادرة: أن الثورة لا تُبنى على الإمكانيات المادية، بل على الإيمان الصادق والإرادة التي لا تنكسر.

كان بيته في القرية مقرًا مفتوحًا للبيشمركة. لم يمر يوم إلا وكان يحتضن العشرات منهم. أهله وذووه كانوا على قدر كبير من الكرم، حتى صار بيت ويسي باني رمزًا للضيافة الثورية، حيث يمتزج الخبز البسيط بقدسية القضية، ويصبح المأوى جزءًا من النضال.

لقد كان وفيًا للبارزاني الخالد إلى حد قوله: “أينما يوجد البارزاني الخالد، سأكون أنا أيضًا.” وكان وفيًا لعائلته، لزوجته وبناته وابنه الوحيد عزيز، إذ قال إنه سيضحي بروحه من أجل الثورة وكوردستان. وما أعظم أن تكون الكلمات عهدًا، وما أصدق أن يتحول العهد إلى فعل، فقد أوفى حتى آخر لحظة.

وفي ثورتي أيلول وكولان، برز كقائد ميداني استراتيجي. كان يقرأ الأرض كما يقرأ كتابًا مفتوحًا، يعرف متى تختبئ الجبال ومتى تقاتل، يحوّل القلة إلى قوة، واليأس إلى أمل. كان رفاقه يقولون: “حين يبتسم ويسي وسط الرصاص، نشعر أن النصر أقرب من أنفاسنا.”

وفي 19 أكتوبر 1978، في قرية ربتكي، ختم ويسي باني رحلته بالشهادة. قاوم حتى اللحظة الأخيرة، تاركًا خلفه جسدًا مسجّى واسمًا خالدًا، فيما اختفى رفاته في مقابر مجهولة بأيدي النظام البعثي، لكنه لم يختفِ من ذاكرة التاريخ ولا من وجدان الشعب.

إرثه لم يتوقف عند استشهاده، بل تجسد في ابنه الفريق عزيز ويسي باني، الذي واصل حمل الراية، محافظًا على خطى والده في حماية كوردستان وصون نهج البارتي والبارزاني.

إن سيرة ويسي باني ليست حكاية شخص، بل قصة أمة. هي قصة رجل جمع بين بساطة الفلاح وحكمة الفيلسوف وجرأة القائد، ليعلّمنا أن الحرية لا تُعطى بل تُنتزع، وأن القادة العظام هم أولئك الذين يعيشون كأبسط الناس ويموتون كأعظم الرموز.

ويسي باني لم يترك وراءه قصورًا ولا ثروات، بل ترك إرثًا أعظم: شرفًا خالدًا، وفكرًا ثوريًا، وذكرى لا تموت. ومن الجبال التي أحبها، ارتقى إلى الخلود الذي يستحقه

 

 

 

 

Top