• Sunday, 01 February 2026
logo

من الحزام الناسف إلى الحزام الأخضر .. أربيل تزرع الحياة

من الحزام الناسف إلى الحزام الأخضر .. أربيل تزرع الحياة

جلال شيخ علي

 

 في زمنٍ تكسوه رائحة البارود ويضجّ بصدى الانفجارات، في زمن يتفنّن فيه البعض في صناعة “الأحزمة الناسفة” لإبادة الإنسان وتفخيخ الأمل، تطلّ أربيل، عاصمة إقليم كوردستان، بمشروعٍ يعيد تعريف المفاهيم

الحزام الأخضر: إنه ليس شريطاً للتقسيم ولا قنبلة تُلَف حول الجسد، بل شريان حياة يلتف حول المدينة ليمنحها الأوكسجين، الظل، والاستدامة.

مشروع الحزام الأخضر، الذي أعلنت عنه حكومة أربيل المحلية، يهدف إلى إنشاء شريطٍ بيئي يحيط بالمدينة من كافة الاتجاهات.

قد يبدو الأمر للوهلة الأولى كمبادرة بيئية معتادة، لكنّ رمزية المشروع تُجبرنا على التوقف. ففي الوقت الذي حوّلت فيه أطراف مشبوهة “الحزام” إلى أداة تفجير وقتل جماعي، وتفنّنت أنظمة وأحزاب في استخدام “الأحزمة” كذرائع لفرض الجدران والعنصرية ومصادرة أراضي الكورد تحت غطاء الأمن والديموغرافيا، تأتي كوردستان لتقلب المعادلة: من الحزام الناسف إلى الحزام الأخضر.

 ليس هذا مجرّد مشروع بيئي؛ بل موقف سياسي وإنساني. في زمنٍ يُقتل فيه الإنسان لأنه مختلف، تُعلن أربيل أن الاختلاف لا يُواجَه بالدم، بل يُحتضن بالظل. في حين سعت دولٌ لزرع الألغام في الجغرافيا والديموغرافيا، يزرع الكورد أشجارا مثمرة.

وفي الوقت الذي صُدّرت فيه مشاريع الأحزمة كمخططات لتجريف الأرض وسرقة التاريخ يُقدم الكورد نموذجاً في استخدام الحزام لشفاء الأرض وتنقية الهواء، لا لخنق البشر.

إن هذا المشروع، ببساطته الظاهرة، هو ردٌّ صارخ على تاريخ طويل من الحصار والعنف الممنهج دام لأكثر من مئة سنة. 

أربيل لا ترد على السياسات المسمومة بالبيانات، بل بالشتلات. لا تجابه سياسات التعريب والتغيير الديموغرافي بالسلاح، بل بالأوكسجين والماء والأمل. بهذا، يتحوّل مشروع الحزام الأخضر إلى فعل مقاومة حضارية، ورسالة إلى العالم: أننا لن نحاربكم بأحزمتكم الناسفة، بل سنحيط أنفسنا بأحزمةٍ خضراء، تحفظ ما تبقّى من حياةٍ وسط عالمٍ يختنق.

وفي ذلك، تتجلى المفارقة: من استخدم الحزام لنسف المدن والهوية لن يحصد سوى الرماد، أما أربيل، فستحصد الظل، الخُضرة، والأمل.

 

 

 

 

Top