المال في بغداد والتنمية في كوردستان
كوردستان مزوري
رغم أن ميزانية الدولة العراقية تُعد من بين الأكبر في المنطقة من حيث الإيرادات النفطية، إلا أن المواطن العراقي لايزال يبحث عن خدمات أساسية مفقودة، وبنية تحتية متداعية، وعمران لا يليق بدولة تملك ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم.
في المقابل، يظهر إقليم كوردستان بتجربة مختلفة نسبياً، رغم قلة الموارد والتحكم الجزئي بالميزانية، إلا أن نتائج التخطيط والبناء تبدو أكثر وضوحاً، وتُقدّر ميزانية العراق سنوياً بعشرات المليارات من الدولارات، حيث تعتمد بشكل رئيسي على واردات النفط (تشكل أكثر من 90% من الإيرادات). ومع ذلك، يتم إنفاق جزء كبير منها على رواتب الموظفين والمتقاعدين وتغطية العجز المالي ودعم الوزارات الخدمية المتعثرة وموازنات أمنية وعسكرية ضخمة و مصروفات تشغيلية تفوق الاستثمارية ويُلاحظ ضعف التخطيط الستراتيجي، إضافة إلى الهدر المالي والفساد المؤسسي، مما أدى إلى:
-غياب مشاريع استراتيجية للبنية التحتية
-تأخر تنفيذ مشاريع الطرق والمجاري والمستشفيات
-شلل في التنمية الحضرية
-ضعف الخدمات الأساسية (الكهرباء، الماء، التعليم، الصحة)
إما بالنسبة الى إقليم كوردستان ألذي لا يتحكم بمصادره المالية بالكامل، بل يعتمد على جزء من الميزانية الاتحادية، يُفترض أن تُمنح له حسب النسبة السكانية (17% سابقاً، ثم انخفضت إلى ما دون 12% فعلياً). وغالباً ما تُرسل هذه الميزانية متأخرة أو مشروطة سياسياً، و حتى الى قطعها كليا، مما يخلق أزمات مالية خانقة.
لكن على الرغم من قلة الموارد والضغوط، يُلاحظ في إقليم كوردستان:
-تطوير عمراني واضح في المدن الكبرى مثل أربيل والسليمانية ودهوك وخاصة مشاريع الماء والكهرباء، وفي خطوة ذات أهمية كبيرة أفتتاح أكبر مشروع مياه أربيل الجديدة ومن المخطط أن يخدم السكان لأكثر من 30 عاماً، يعكس جدية العمل والتخطيط بعيد المدى، ومشروع الكهرباء 24 ساعة في الإقليم، الذي يسعى لتوفير الكهرباء المستمرة للمواطنين، رغم الحصار المالي، يعكس إرادة حقيقية في تحسين حياة الناس وتأمين احتياجاتهم الأساسية.
-إنشاء طرق سريعة وجسور ومجمعات سكنية وتجارية
-استثمار نسبي جيد في قطاع السياحة والبنية التحتية
-بيئة أكثر استقراراً للاستثمار الخارجي
-اهتمام نوعي بالنظافة والتخطيط الحضري
لماذا هذا الفرق؟
-الإدارة: إقليم كوردستان اعتمد على إدارة أكثر مرونة ولا مركزية، وابتعد نسبياً عن الروتين الإداري والفساد المنتشر في بغداد.
-الاستقرار: بيئة الإقليم أكثر أمناً، مما شجعت على البناء والتخطيط الطويل الأمد.
-الإرادة السياسية: بينما تتصارع الأطراف في بغداد على الكراسي والامتيازات، حاول الإقليم تقديم نموذج مختلف يركّز على التنمية والبناء.
الأرقام لا تكذب لكن الفشل لا يخجل
ميزانية العراق لعام 2024 قُدّرت بأكثر من 153 تريليون دينار عراقي، أي ما يعادل نحو 105 مليار دولار أميركي، وهي واحدة من أعلى الموازنات في تاريخ البلاد، الموازنة الأعلى لا تعني الخدمات الأفضل. في ظل غياب الرؤية وتفشّي الفساد، تُهدر الأموال دون نتائج حقيقية، والسؤال الذي يسأله الجميع أين النفط؟ وأين الغاز؟ وأين العائدات؟.
- النفط يُباع، لكن أين يذهب المال؟
- الغاز يُحرق، لأن لا أحد يريد بناء محطات استثماره.
- العائدات تُضخ في موازنات فضفاضة، وتتبخر بلا أثر.
وفي المقابل شعب يعيش على الفتات
-نسبة الفقر تتجاوز 25% في بعض المحافظات.
-مئات الآلاف من الخريجين بلا وظائف.
-آلاف العائلات تعيش في العشوائيات.
-الشباب يفكر بالهجرة، أو الانتحار، أو حمل السلاح.
ليست المشكلة أن بغداد فقيرة فهي ليست كذلك. بل المشكلة أن المال في بغداد، لكن العقل في مكان آخر. وفي المقابل، كوردستان لم تنتظر المعجزات، بل صنعت فرصها من وسط العجز، وحوّلت القيد إلى حافز والضيق إلى تصميم.
المال وحده لا يصنع المدن. من يصنعها هو من يؤمن بالناس، ويخطط من أجلهم، ويبني لهم ما يستحقونه. وفي النهاية، لا تُقاس قوة الدولة بحجم ميزانيتها، بل بقدرتها على تحويل الدينار إلى كرامة، والخدمة إلى حق، والإدارة إلى أمانة.
روداو
