ازمة رواتب اقليم كوردستان… تحديات انسانية وسياسية
د.ضياء عبدالخالق المندلاوي
عانى الكورد في العراق عبر التاريخ الحديث والمعاصر من العديد من المشكلات والتحديات التي استهدفت إضعافهم وحرمانهم من حقوقهم المشروعة، حيث تعاقبت الحكومات العراقية على مدار العقود، وكل منها ساهم في تعميق معاناة الكورد من خلال سلسلة من الأعمال اللاإنسانية التي شملت التهجير القسري، والتسفير، والإبادة الجماعية، والقصف الكيماوي، والانفال، والمقابر الجماعية. بالإضافة إلى ذلك، عانى الكورد من التمييز الممنهج والتهميش المتعمد، مما أثر بشكل كبير على حياتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
رغم كل هذه التحديات، واجه الكورد هذه الظروف بقوة وثبات، ولم ييأسوا أبدًا من النضال من أجل حقوقهم. سعوا جاهدين لتحقيق الاستقرار والتنمية في الإقليم، وبعد عام 2003، ومع تغيير النظام السياسي في العراق، بذلت حكومة إقليم كوردستان جهودًا كبيرة لتحسين الأوضاع الاقتصادية والسياسية وتعزيز البنية التحتية، وتحسين الخدمات العامة، وتوفير فرص العمل، لبناء مستقبل افضل لابنائهم.
الا ان ما شهده إقليم كوردستان من تطور ملحوظً في كافة المجالات، يبدو لم يلق استحسانًا لدى بعض السياسيين العراقيين، بدلاً من الاستفادة من تجربة الإقليم الناجحة في الإعمار والإدارة، يسعى هؤلاء السياسيون إلى خلق أزمات متكررة لعرقلة تقدم الإقليم، آخر هذه الأزمات هي عدم صرف رواتب موظفي إقليم كوردستان، مما اثر سلبًا على حياة المواطنين ومسيرة التنمية في الإقليم.
هذه التصرفات تثير الكثير من التساؤلات حول دوافع هؤلاء السياسيين ومدى تأثيرهم على استقرار الإقليم، حيث من الواضح أن هناك رغبة في عرقلة تقدم إقليم كوردستان وتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي فيه، لذا نرى ان حكومة الإقليم يقظة ومتأهبة لمواجهة هذه الأزمات، من خلال العمل الجاد والتعاون مع جميع الأطراف المعنية، لتجاوز هذه الأزمات، لكن وللاسف مازالت الحكومة الاتحاية تضع عراقيل وشروط معقدة التطبيق لحل المشكلة.
ولم يكن قرار المحكمة الاتحادية العراقية بتوطين رواتب موظفي إقليم كوردستان مجرد إجراء مالي عابر، بل كان خطوة مدروسة ومتعمدة تستهدف جوهر النظام الدستوري للإقليم، وغيرها من القرارات وعدم تشريع قانون النفط والغاز …الان استهداف واضح لهذا الكيان الدستوري ومحاولاتهم لاضعافه.
وللاسف نفس القوى التي تعرقل تطور الاقليم وتخلق الازمات نجدها بعد كل انتخابات، بمظهر المتعاون والمتفاهم، وتقدم وعودًا بتحسين الوضع السياسي والاقتصادي في الإقليم ومعالجات المشكلات المالية والادارية من اجل الحصول على المباركة لتشكيل الحكومات الاتحادية.
ولكن اليوم حكومة الإقليم تراقب بعناية تصرفات هذه القوى وينتظرون منهم أفعالًا حقيقية وليس مجرد وعود تاتي بعد كل عملية انتخابية، ويبدو أن هذه القوى تعتقد أن الاحزاب الكوردية والمواطنين الكوردستانيين ينسون بسهولة المواقف، ولكن الحقيقة أنهم قد سئموا من المواقف السلبية لهذه القوى، وينتظرون تغييرًا حقيقيًا في سياساتهم وممارساتهم ، هذه القوى التي تعمل ضد مصالح المواطنين، نعتقد ستواجه تحديات كبيرة في كسب ثقة الاقليم مرة أخرى.
التساؤل الذي يطرح نفسه هنا هو كيف يمكن للموظفين أن يعيشوا دون أن يتلقوا رواتبهم لفترات طويلة؟ كيف يمكن لهم أن يوفروا لقمة العيش لأسرهم، ويواجهوا التحديات اليومية دون دعم مالي؟ هذه الأسئلة تطرح نفسها بقوة في ظل هذه الأزمة.
حيث يجد الموظفون أنفسهم في مواجهة تحديات كبيرة، حيث تأخر صرف الرواتب لأكثر من 75 يومًا يضعهم في موقف لا يُحسد عليه. هذا التأخير لا يؤثر فقط على الموظفين أنفسهم، بل يمتد تأثيره إلى أسرهم وأطفالهم، مما يزيد من حدة المعاناة.
من منظور أخلاقي وديني، هل يقبل الإسلام بتجويع المواطنين وحرمانهم من حقوقهم الأساسية؟ هل يمكن أن نجد في تعاليم الإسلام ما يبرر حرمان الموظفين من رواتبهم لفترات طويلة؟ الإجابة على هذه الأسئلة تثير الكثير من الجدل والتساؤلات حول المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية للحكومات تجاه مواطنيها.
ونحن في ايام محرم الحرام نستذكر نهج الإمام الحسين (عليه السلام) الذي يُعتبر رمزًا للعدالة والإنصاف، لا يمكن أن يقبل بتجويع المواطنين أو حرمانهم من حقوقهم. الإمام الحسين قاد ثورةً ضد الظلم والفساد، وكان همه الأول هو تحقيق العدالة والمساواة للجميع. فكيف يمكن أن نقارن بين نهجه وبين ما يحدث ضد إقليم كوردستان؟
لذا يجب على الحكومة الاتحادية والاحزاب السياسية الوطنية تحمل المسؤولية الكاملة تجاه أزمة رواتب موظفي إقليم كوردستان، حيث يتطلب الأمر تدخلًا سياسيًا فاعلًا وحوارًا بناءً وتفاوضًا جادًا. ونذكر ان فرض القرارات أو التهديدات لن يحل الأزمة، بل يزيد من تعقيداتها. بدلاً من ذلك يجب على الأطراف المعنية العمل سويًا لإيجاد حلول جذرية ومستدامة لهذه الأزمة، من خلال التفاوض البناء والتعاون السياسي.
