• Wednesday, 29 April 2026
logo

العراق للجميع.. وأين قسمكم على حماية حقوق العراقيين؟

العراق للجميع.. وأين قسمكم على حماية حقوق العراقيين؟

د.صباح ابراهيم

 

في خضم الأزمات المتعاقبة التي يشهدها العراق، يطلّ علينا مشهدٌ متكررٌ محبط: الحكومة الاتحادية في بغداد، وبضغط واضح من بعض الأطراف داخل الإطار التنسيقي، تواصل سياسة قطع رواتب موظفي إقليم كوردستان، بل وتُمعن في خنق الإقليم اقتصاديًا، رغم أن ما يُخصص للإقليم لا يساوي بحسب ما يتناقله كثيرون أكثر من ميزانية وزارة واحدة كوزارة التربية. فكيف تُقطع أرزاق الناس بهذا الشكل؟ وكيف يُبرر هذا الإجراء الظالم؟ وأين هو القسم الدستوري بحماية حقوق العراقيين جميعًا؟

منذ سنوات، وبدل أن تتعامل بغداد مع إقليم كوردستان بوصفه جزءًا أصيلًا من الوطن، وركنًا مهمًا من أركان الدولة، تتوالى سياسات الإضعاف والتهميش، وكأن الهدف الحقيقي هو كسر إرادة هذا الإقليم الذي أثبت نجاحه، وفرض احترامه في المحافل الدولية، وسلك طريقًا مختلفًا في إدارة الدولة، بقيادة رشيدة حريصة على خدمة المواطن، وليس على تكديس الولاءات أو تنفيذ الأجندات.

زيارة رئيس حكومة إقليم كوردستان، مسرور بارزاني، الأخيرة إلى واشنطن، وما نتج عنها من اتفاقيات استراتيجية في قطاعي النفط والغاز، دفعت بعض الأطراف إلى رفع وتيرة الاستهداف السياسي والاقتصادي للإقليم، خوفًا من النموذج الذي بات يقلقهم؛ نموذج دولة مؤسسات، واقتصاد واعد، وبيئة آمنة جاذبة للاستثمار، وهو ما يفتقر إليه معظم العراق للأسف، بسبب السياسات الخاطئة والتدخلات الخارجية التي نخرت الدولة من الداخل.

ما يحصل الآن من قطع الرواتب ليس خلافًا ماليًا بقدر ما هو أداة ضغط سياسي مرفوضة أخلاقيًا ودستوريًا. لا يمكن أن تتحول رواتب الموظفين إلى سلاحٍ في صراع المصالح. لا يمكن أن يُعاقب المواطن الكوردي على خيارات قيادته، ولا أن يُربط قوت الأطفال بلعبة الولاءات.

من المخجل أن تُنكر حكومات بغداد المتعاقبة على الشعب الكوردي انتماءه العراقي، في وقتٍ لم تبخل فيه كوردستان بدمائها في مواجهة الإرهاب، ولم تتأخر في احتضان مئات آلاف النازحين واللاجئين، وكانت دومًا مثالًا للتعايش والسلام.

إن من يسمون أنفسهم “حكومة” في بغداد، عليهم أن يتذكروا القسم الذي أدّوه؛ فقد أقسموا على احترام الدستور، وعلى حماية حقوق الناس دون تمييز. فهل أصبح الدستور ورقة موسمية تُستخدم فقط لتصفية الخصوم؟ وهل تُقاس “العراقية” بميزان الولاء لمركز السلطة؟

شعب كوردستان، رغم الجراح والظروف الاقتصادية الصعبة، لا يزال ثابتًا على مبادئه، يرفض الخضوع للابتزاز، ويؤمن بأن الحلول قادمة، وبأن القيادة في الإقليم، بكل مكوناتها السياسية، ستتجاوز هذه الأزمة كما تجاوزت غيرها.

لقد آن الأوان لحكومة بغداد أن تدرك أن قوة العراق لا تكون إلا بوحدة مكوناته، وباحترام إرادتهم، وأن الظلم لا يُولد إلا الإصرار، والإقصاء لا يُنتج إلا عزلةً سياسية ومزيدًا من التفكك الوطني.

فلتكفّوا عن عقاب كوردستان، ولتعودوا إلى رشد الدولة لا منطق الميليشيا. فالعراق وطنٌ للجميع، ومَن أقسم على خدمة الشعب، عليه أن يفي بقسمه.. أو يرحل؟

 

 

 

 

Top