• Thursday, 23 April 2026
logo

حرب إيران.. حرب الخوارزميات

حرب إيران.. حرب الخوارزميات

عمر احمد

"بين لحظة اتخاذ القرار وإلقاء القنابل، لا يلزم سوى 60 ثانية". هكذا وصف عميل سابق في الموساد انطلاق عملية الغضب الملحمي (Operation Epic Rage) الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، التي اندلعت في 28 شباط 2026 وشهدت في يومها الأول مقتل المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، نُفذت بسرعة فائقة غيرت مفهوم "الاستهداف العسكري" في القرن الحادي والعشرين.

الآن، وبعد مرور قرابة شهرين، لا تلوح في الأفق أي بوادر لنهاية الحرب، رغم الجهود الدبلوماسية المكثفة في إسلام آباد. ورغم تمديد وقف إطلاق النار، إلا أن الحواسيب والأنظمة لا تزال مشغولة عبر خوارزمياتها المعقدة والدقيقة بتحديد الأهداف القادمة. في حرب إيران هذه، تتم عمليات جمع البيانات ومعالجتها وتحديد الأهداف عبر نموذجين رائدين للذكاء الاصطناعي: ميسوس (Mythos) وميفين (Maven)؛ وهما نظامان غيرّا وجه الحروب إلى الأبد.

الحرب الخوارزمية الأولى

يصنف المحللون الحرب الحالية بين أميركا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بأنها "الحرب الخوارزمية الأولى". لقد تضاعفت سرعة وحجم ودقة الهجمات بشكل هائل بفضل أنظمة الذاء الاصطناعي، لكن هذا الاعتماد الكلي على التكنولوجيا خلق مخاطر جسيمة على حياة المدنيين. فكل صاروخ يُطلق، وكل طائرة مسيرة تحلق، وكل مكالمة مخترقة أو صورة قمر صناعي، تولّد عشرات الـ "تيرابايت" من البيانات التي تُعالج آنياً؛ وهي كميات لا يمكن لأي فريق بشري معالجتها بالسرعة الكافية لتحقيق فائدة تكتيكية.

يقول براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) صراحة: "أنظمة الذكاء الاصطناعي تساعد جنودنا في البحث ضمن كميات مذهلة من البيانات في ثوانٍ معدودة، لتمكين قادتنا من اتخاذ قرارات أسرع وأذكى قبل أن يتمكن العدو من الرد"، وبحسب كوبر، فإن القرارات العسكرية التي كانت تستغرق ساعات أو أياماً، اختُصرت الآن إلى ثوانٍ.

ووفقاً لصحيفة "واشنطن بوست"، فإن نظام "ميفين" (Maven) التابع لشركة "بالانتير" (Palantir)، ساعد القادة الأميركيين في تحديد 1,000 هدف إيراني خلال الـ 24 ساعة الأولى فقط من الحرب. وللمقارنة التاريخية، يقول مدير التكنولوجيا في شركة "بالانتير": "في حرب الخليج الثانية، كان التخطيط لـ 1,000 هدف يتطلب ستة أشهر من العمل المتواصل لـ 50 إلى 100 محلل، أما في عملية الغضب الملحمي، فقد تم التخطيط لضعف هذا العدد من قبل شخص واحد خلال أسبوعين فقط".

"ميسوس": العقل الذي يفكر أسرع من الحرب

"ميسوس" هو نموذج لغوي ضخم طوّرته شركة أنثروبيك (Anthropic)، وهو نسخة متطورة وسرية من نظام كلود (Claude AI) المعروف. وبينما صُمم كلود للمحادثات والبحث، طُوّر "ميسوس" لمساحات أكثر قتامة: التحليل العميق، والتعرف على الأنماط داخل مجموعات البيانات العملاقة غير المنظمة، واستغلال الثغرات الأمنية بمستوى أثار قلق مبتكريه أنفسهم. أظهر "ميسوس" قدرات مذهلة في اكتشاف آلاف الثغرات البرمجية التي لم يلحظها المهندسون منذ 27 عاماً، مما يجعله أداة فتاكة للاختراق في يد أي شخص يمتلك مهارات حاسوبية بسيطة.

يعمل "ميسوس" ضمن نظام ذكي آخر يسمى "ميفين" (Maven) من إنتاج شركة "بالانتير"، وهو النظام الذي "يقرأ" ميدان المعركة ويحلله. المحلل الذي يستخدم هذين النظامين لا يحتاج للبحث في آلاف الصفحات؛ بل يكفيه طرح سؤال بسيط كما يسأل الجنرال ضابط استخباراته. يقوم "ميسوس" بجمع صور الأقمار الصناعية، وإشارات الاستخبارات، والبيانات الجغرافية، لتقديم إجابة فورية. ففي غضون ثوانٍ، ينبه النظام المحللين الميدانيين لأي تحرك عسكري مشبوه ويقترح تلقائياً إرسال مسيرة استطلاع أو توجيه ضربة مباشرة.

"ميفين": الأعصاب والمنفذ

إذا كان "ميسوس" هو (العقل) المدبر، فإن نظام ميفين (MSS) هو (الأعصاب) المحركة لحرب عام 2026. يجمع هذا النظام البيانات من أكثر من 150 مصدراً، بما في ذلك الرادارات والمستشعرات الذكية، ليرسم "خريطة حية" للمعركة تشبه "جوجل إيرث" لكن للحروب، حيث تظهر كل نقطة حمراء معلومات عن تضاريس الموقع، ودرجة الخطورة، ونوع السلاح المقترح للهجوم.

يصف كاميرون ستانلي، مسؤول التحول الرقمي في وزارة الدفاع الأميركية، هذا التغيير قائلاً: "انتقلنا من مرحلة تحديد الهدف إلى مرحلة اقتراح كيفية ضربه، وكل ذلك عبر نظام واحد متكامل". الإحصائيات مذهلة؛ فقد ارتفع عدد الأهداف المعالجة من 100 هدف يومياً إلى 5,000 هدف بعد دمج النماذج اللغوية مثل "ميسوس". ويُقال إن الفرقة 18 المحمولة جواً الأميركية تمكنت عبر 20 شخصاً فقط من ضرب نفس عدد الأهداف الذي كان يتطلب فريقاً استخباراتياً من 2,000 شخص في عملية "تحرير العراق".

الصدام مع البيت الأبيض

تأخذ القصة بعداً درامياً هنا؛ فبالتزامن مع الهجوم على إيران، دخلت إدارة ترامب في صراع علني حاد مع شركة "أنثروبيك". جاء الخلاف بعد إصرار الشركة على عدم استخدام نماذجها في تطوير أسلحة ذاتية التشغيل بالكامل أو في عمليات المراقبة الجماعية. واشنطن وضعت الشركة على القائمة السوداء واعتبرتها "تهديداً للأمن القومي"، ومع ذلك، ظل نظام "كلود" (عبر ميسوس) يعمل داخل أنظمة "بالانتير" لتحديد الأهداف، لأن وزارة الدفاع لم تجد له بديلاً فورياً.

رد البنتاغون على اعتراضات الشركة كان حازماً؛ حيث صرح المتحدث كينغسلي ويلسون: "المقاتلون الأميركيون لن يكونوا رهائن لأهواء المديرين التكنولوجيين أو أيديولوجيات وادي السيليكون.. نحن من نقرر، ونحن من سيسود وينتصر".

التكلفة المدنية والسجل الأخلاقي

سرعة الحرب الخوارزمية ليست بلا ثمن، والثمن يُدفع من حياة المدنيين. تصاعدت المخاوف بعد الهجوم على مدرسة البنات "شجرة طيبة" في مدينة ميناب جنوب إيران، والذي أسفر عن مقتل 168 شخصاً معظمهم أطفال. خلال مؤتمر لشركة "بالانتير"، عرض مسؤول دفاعي خريطة لنظام "ميفين" تضم عشرات الأهداف، كان أحدها يقع في منطقة ميناب بالضبط. الذكاء الاصطناعي هو من وضع الموقع في قائمة الأهداف، وتمت الموافقة على الهجوم. لكن السؤال عمن يتحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية لا يزال بلا إجابة.

لقد طالبت مجموعة من 120 عضواً في الكونغرس بإيضاحات حول دور الذكاء الاصطناعي في تلك المجزرة. ويقول باول شار، نائب رئيس مركز الأمن الأميركي الجديد: "الذكاء الاصطناعي يخطئ، ونحن بحاجة للبشر للتدقيق فيه عندما يتعلق الأمر بحياة الناس وموتهم".

لم تقتصر حرب إيران على الميدان، بل امتدت لـ "جبهة المعلومات". إيران، التي كانت تتراجع عسكرياً، استخدمت الذكاء الاصطناعي لإظهار قوة وهمية؛ عبر فيديوهات "ديب فيك" لهجمات صاروخية على سفن أميركية، وصور أقمار صناعية مفبركة لقواعد في الخليج، في محاولة لإضعاف الدعم الشعبي للحرب. وهكذا، يتواجه في هذه الحرب نظامان للذكاء الاصطناعي: أحدهما صُمم للقتل، والآخر صُمم للتضليل، وكلاهما يدير المعركة تحت سماء واحدة.

 

 

 

روداو

Top