المرأة في الصحافة الكوردية… شراكة في الوعي وصناعة التاريخ
زينب السندي
في يوم الصحافة الكوردية، لا يُقرأ حضور المرأة بوصفه تفصيلًا ثانويًا، بل بوصفه جزءًا أصيلًا من تطور الإعلام نفسه فالصحافة التي لا تعكس صوت المرأة هي صحافة منقوصة، والمجتمع الذي لا يمنحها موقعها الطبيعي في صناعة الكلمة، يحرم نفسه من نصف الحقيقة في كل عام، ومع حلول يوم الصحافة الكوردية، نستحضر لحظة مفصلية في تاريخ الكلمة الحرة، يوم صدور صحيفة كوردستان التي أرست أول لبنة في صرح الإعلام الكوردي الحديث. غير أن هذا الاستذكار لا يكتمل دون الوقوف عند دور المرأة الكوردية في هذه المسيرة الطويلة، بوصفها شريكًا أصيلًا في صناعة الوعي، وحارسةً أمينة للحقيقة، لقد تحوّلت المرأة الكوردية من حضور خجول في بدايات المشهد إلى صوت واثق يسهم في بناء ثقافة الحوار، وترسيخ قيم التعددية، وتعزيز مسار الديمقراطية.
إن الحديث عن دور المرأة في الصحافة الكوردية لا يعني منحها موقعًا تكميليًا، بل الاعتراف بأنها أصبحت ركيزة أساسية في البنية الإعلامية. فهي اليوم تشارك بشكل قوي وفاعل في المجال الاعلامي وتدريب الأجيال الجديدة، وصياغة السياسات التحريرية، وتوسيع مساحة النقاش العام حول قضايا المجتمع.
لم يكن طريق المرأة إلى الصحافة سهلا ففي مجتمع تحكمه التقاليد الصارمة والظروف السياسية المعقدة، كان حضورها في البدايات محدودًا، ورغم ذلك، لم تكن غائبة عن المشهد؛ فقد أسهمت في دعم الحراك الثقافي، وشاركت في الكتابة والعمل التوعوي .
ومع التحولات السياسية التي شهدها إقليم كوردستان، خاصة بعد عام 1991، بدأت المرأة تخرج من هامش العمل الإعلامي إلى مركزه. دخلت غرف التحرير، ووقفت أمام الكاميرا بكل حزم واصرار، ونزلت إلى الميدان مراسلةً تنقل الاخبار من قلب الحدث لم تعد الصحفية الكوردية مجرد ناقلة للأخبار، بل أصبحت محللةً وناقدةً وصاحبة رأي، تسهم في تشكيل الرأي العام وصياغة الخطاب الإعلامي.
لقد لعبت المرأة دورًا مهما في تسليط الضوء على قضايا طالما بقيت في الظل، مثل العنف الأسري، وحقوق الطفل، والتعليم، والصحة، وحقوق الإنسان عمومًا ومن خلال معالجاتها الصحفية، أسهمت في كسر كثير من الصور النمطية، وأعادت تعريف دور المرأة داخل المجتمع بوصفها فاعلًا مؤثرًا لا متلقيًا سلبيًا.
ورغم هذا التقدم، ما تزال الصحفية الكوردية تواجه تحديات متعددة؛ بين ضغوط اجتماعية، وتحديات مهنية، وأحيانًا مخاطر وتحديات في بيئة العمل الصحفي. غير أن التجربة أثبتت أن حضورها لم يكن طارئًا أو شكليًا، بل قائمًا على كفاءة حقيقية وإصرار مهني فقد تمكنت من إثبات قدرتها على العمل في مختلف مجالات الصحافة، من التحقيقات الاستقصائية إلى التغطيات السياسية والتغطيات الميدانية .
إن مستقبل الصحافة الكوردية يرتبط بمدى قدرتها على ترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص، ودعم الطاقات النسوية، وتوفير بيئة مهنية آمنة وعادلة فكلما اتسعت مساحة مشاركة المرأة، اتسعت معها مساحة الحرية، وتعمّق تأثير الإعلام في خدمة المجتمع.
وفي عصر الإعلام الرقمي، اتسعت مساحة تأثير المرأة أكثر من أي وقت مضى، حيث أصبحت قادرة على الوصول المباشر إلى الجمهور، وتشكيل رأي عام عبر المنصات الحديثة، دون وسطاء، ما منحها قوة إضافية ومسؤولية أكبر في آن واحد.
وختاما إن ما تحقق للمرأة في الصحافة الكوردية ليس امتيازًا ممنوحًا، بل نتيجة مسار طويل من الإصرار والعمل والتأهيل العلمي والمهني ولم تعد الصحفيات يكتفين بالحضور الاعلامي فحسب بل يطمحن الى مواقع التأثير وصناعة القرار داخل المؤسسات الاعلامية ، إن وجود المرأة في موقع صنع القرار الإعلامي ضرورة مهنية وأخلاقية تسهم في بناء إعلام أكثر توازنًا، وواقعية، وارتباطًا بقضايا المجتمع فحين تشارك المرأة في رسم ملامح الرسالة الإعلامية، يصبح الإعلام أكثر شمولًا، وأكثر قدرة على التعبيرعن جميع أطياف المجتمع دون استثناء، ويعزز وجود المرأة في صنع القرار مبدأ العدالة المهنية وتكافؤ الفرص داخل المؤسسات الإعلامية فالمؤسسة التي تتيح للنساء الوصول إلى مواقع القيادة تُرسّخ ثقافة قائمة على الكفاءة لا على النوع الاجتماعي، ما ينعكس إيجابًا على بيئة العمل ويحفّز الطاقات الإبداعية لدى الجميع.

زینب السندي