• Monday, 02 February 2026
logo

الانسحاب من العملية السياسية سهل.. لكن من يملأ الفراغ؟

الانسحاب من العملية السياسية سهل.. لكن من يملأ الفراغ؟

كوردستان المزوري

في لحظات الغليان السياسي، تصبح دعوات الانسحاب من مجلس النواب العراقي أو حتى من العملية السياسية بأكملها مغرية للكورد. تبدو وكأنها صرخة كرامة، أو صفعة في وجه نظام يتعامل مع كوردستان كإقليم تابع لا شريك دستوري. لكن الحقيقة المرّة هي أن الانسحاب الكامل اليوم، وبالطريقة التي يُطرح بها، ليس حلاً، بل هروباً من ساحة المعركة في وقت نحتاج فيه إلى تصعيد ذكي، لا انسحاب عاطفي. فما المطلوب؟ المطلوب ببساطة: انقلاب سياسي من الداخل.

 منذ 2003، شارك الكورد في بناء النظام الجديد على أمل قيام عراق اتحادي ديمقراطي يُنصف الجميع. لكن الواقع أثبت أن هذه الشراكة كانت – في كثير من الأحيان – مجرد واجهة لتوازن هشّ، سرعان ما ينهار عند أول امتحان للحقوق الدستورية.

 المادة 140؟ مجمّدة. رواتب الموظفين؟ رهينة المزاج السياسي. ملف النفط؟ يدار بالقوة لا بالشراكة. القرارات السيادية؟ تُتخذ من دون استشارة أربيل. في ظل هذا، باتت المشاركة في بغداد بلا وزن يُذكر، إذا لم تُستخدم كسلاح.

 من يعتقد أن الانسحاب سيهز بغداد، يتوهّم. فالفراغ لا يبقى فراغاً، بل يُملأ بمن لا يؤمن حتى بفيدرالية الدولة. والأسوأ، أن الانسحاب دون بديل عملي يعني عزل كوردستان عن القرار المركزي، في الأمن والاقتصاد والسياسة الإقليمية.

 الانسحاب يرضي الشعور القومي، لكنه لا يُقدّم شيئاً ملموساً. بل يُعرض الإقليم لمزيد من التهميش، وربما العقوبات الاقتصادية، ويُفقده أدوات التفاوض الشرعية.

 البديل ليس الانسحاب، بل استخدام أدوات النظام نفسه لقلب الطاولة تعطيل النصاب البرلماني في جلسات تمرّر قوانين مجحفة، الطعن الدستوري في الموازنات التي تُقصي حقوق الإقليم، التحالف مع قوى معارضة داخل بغداد، لخلق توازنات جديدة، إدارة الحملات الانتخابية بمطالب صريحة وشروط علنية: لا مشاركة دون ضمانات تعليق مشروط للتمثيل الكوردي إذا لم تُنفذ بنود دستورية أساسية. هذا هو الانقلاب السياسي الحقيقي: استخدام البرلمان والإعلام والقانون كسلاح لا يقل قوة عن السلاح العسكري.

أي انقلاب سياسي داخلي يحتاج إلى جبهة كوردية موحدة، لا صراع بين الأحزاب. لا يمكن فرض الشروط على بغداد بينما أربيل والسليمانية غارقتان في النزاعات الداخلية. توحيد الصف الكوردي ليس خياراً، بل ضرورة وجودية في هذه المرحلة.

 في الوقت ذاته، يجب أن يتحول الخطاب الكوردي إلى خطاب دولي: مظلومية دستورية، انتهاك للحقوق المالية، تمييز ضد الإقليم. كلها نقاط قابلة للتدويل إذا وُظّفت بذكاء. الانسحاب سلاح العاجز، أما الكورد، فهم قادرون على أكثر من ذلك. قادرون على قلب الموازين من الداخل، إن هم توحّدوا، وتحرّكوا، واستخدموا أدوات الدولة نفسها ضد من يحتكرها.

في مشهد يتكرر بمرارة، تتصرف بغداد وكأنها تتعامل مع جهة خارجية، لا مع جزء دستوري من العراق اسمه "إقليم كوردستان". طلبت بغداد من إقليم كوردستان أن يسلّم نفطه، بحجة "السيادة" و"الإيرادات المركزية"، فاستجاب الإقليم. سلّم النفط، وأوقف التصدير المستقل، ودخل في شبكة شركة سومو. لكن ماذا جرى بعدها؟ لا شيء! لا رواتب، لا التزامات، لا احترام حتى للاتفاقات الرسمية سعر برميل النفط تجاوز 75 دولاراً، العراق يربح يومياً مئات الملايين، كوردستان بلا رواتب منذ شهور. فهل هذه دولة عادلة؟ أم سلطة تستخدم الاقتصاد للضغط السياسي؟ أليس من المفترض أن يكون النفط ملكًا لكل الشعب؟ أليس موظفو كوردستان مواطنين عراقيين بموجب الدستور؟.

 الحقيقة المؤلمة هنا إن بغداد تأخذ النفط وتُصدره وتربح، لكنها لا تعيد أي جزء من هذه العائدات لموظفي الإقليم. لا توجد أزمة مالية في العراق، بل أزمة ثقة وأمانة وعدالة. إن ما يحصل اليوم ليس مجرد ظلم مالي، بل حصار اقتصادي مقنع ضد شعب بأكمله، تم تجريده من أبسط حقوقه الراتب. ما يحدث اليوم ليس مجرد خلاف إداري، بل حصار سياسي واقتصادي ممنهج ضد شعب بأكمله. الانسحاب سلاح العاجز، أما الكورد، فهم ليسوا عاجزين. قادرون على قلب الموازين من الداخل، إن توحّدوا، وتحرّكوا، واستخدموا أدوات الدولة ضد من يحتكرها. البرلمان ليس هدفاً، بل ساحة معركة.

 

 

 

روداو

Top