دخول المحکمة الاتحادية بعد الاستقالات الجماعية في عنق زجاجة جديدة
سامان سوراني
في ظل الحرب الدائرة بين إسرائيل وإيران والتي تشكل تحديا كبيرا للمنطقة بأسرها، من حيث التأثير على الاستقرار الأمني والاقتصادي، بالإضافة إلى تزايد المخاطر الإنسانية والسياسية، تمثل استقالة تسعة أعضاء من المحكمة الاتحادية حدثا بالغ الخطورة. فالمحكمة الإتحادية المنظم عملها بموجب قانون رقم ٣٠ لعام ٢٠٠٥ المعدل بالقانون ٢٥ لعام ٢٠٢١، فهي لیست مجرد جهاز قضائي، بل هي الضامن الأخير لصحة العملية الدستورية في العراق. فهي السلطة الوحيدة المخولة بتفسير الدستور والفصل في النزاعات القانونية بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان، لذا یمکن أن يؤدي استقالة تسعة من أعضائها في هذا التوقيت إلى شلل تام في عمل هذه المؤسسة الحيوية.Top of Form
من جانب آخر نحن نری بأن إستمرار أزمة رواتب موظفي إقليم كردستان و عدم الإسراع في حلها يزيد من تعقيد.
الوضع السياسي والاقتصادي في العراق. فهذه الاستقالات، التي تأتي في وقت حساس تشهد فيه العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كوردستان حالة من التوتر، تؤكد على حجم الأزمة التي تعصف بمؤسسات الدولة العراقية وتسلط الضوء على أوجه القصور في النظام السياسي والقضائي. فقد کانت هذه المحکمة على وشك البت في قضايا حساسة مثل إصدار أمر ولائي يلزم المالية الاتحادية باستئناف إرسال رواتب موظفي إقليم كوردستان.
ورغم أن هذه الاستقالات تبدو وكأنها ردود فعل على ما يعتقده البعض من ضغوطات سياسية، تُمارس على المحكمة في قضية خور عبدالله، فإنها تفتح الباب على مصراعيه أمام تساؤلات أوسع حول مستقبل النظام السياسي العراقي وسبل معالجة الأزمة الدستورية التي بدأت تتفاقم.
يعتقد البعض أن هذه الاستقالات جاءت نتيجة لضغوطات سياسية متزايدة من قبل القوى الحاكمة، التي تسعى إلى تحقيق مصالحها الخاصة على حساب مبدأ استقلال القضاء.
ومن المعروف أن المحكمة الاتحادية، التي دخلت من جديد في عنق زجاجة، تعرضت خلال السنوات الأخيرة لانتقادات حادة من مختلف الأطراف السياسية، حيث اعتُبرت أحيانا محكومة بأجندات سياسية معينة، بما في ذلك الهيمنة الفائقة من الأحزاب الشيعية على قراراتها.
من جهة أخرى یمکن أن تکون هذه الاستقالات تعبيرا عن فشل النظام القضائي في الحفاظ على نزاهته وحياده في وقت حساس يعصف بالمنطقة.
فالمحكمة الاتحادية كانت قد فقدت مصداقيتها لدى العديد من القوى السياسية، وخاصة تلك التي تنتمي إلى المكونات غير الشيعية، مثل الکورد والسنة، الذين يعتبرون أن المحكمة قد انحازت بشكل كبير إلى جانب السلطة الحاکمة في بغداد.
ومنذ سقوط النظام السابق في ٢٠٠٣ سعت القوى السياسية الشيعية إلى الهيمنة على المؤسسات القضائية لضمان مصالحها، ما أضعف في النهاية من حيادية النظام القضائي.
وقد تسهم استقالات أعضاء المحكمة الاتحادية في تعزيز هذه التصورات السلبية عن القضاء العراقي، مما يؤدي إلى مزيد من التشكيك في مصداقيته من قبل الشعب، وخاصة في فترات الأزمات السياسية. كما أن هذه الاستقالات قد تكون مؤشرًا على أن العديد من القضاة يعتبرون أن العملية السياسية قد تجاوزت حدود القانون، وأنهم لم يعد بإمكانهم أداء مهامهم القضائية بحرية واستقلال.
تسفر الاستقالات الجماعية لأعضاء المحكمة الاتحادية عن عدة سيناريوهات محتملة، قد تتراوح بين التصعيد السياسي والبحث عن تسوية قانونية. في حال استمر الجمود، قد تتخذ القوى السياسية الشيعية خطوات لإعادة تشكيل المحكمة وفق مصالحها، وهو ما قد يثير احتجاجات واسعة من الأطراف المعارضة. من جهة أخرى، قد يسعى المجتمع الدولي، بالإضافة إلى بعض القوى السياسية في العراق، إلى الضغط على الحكومة لتسوية هذا الملف عبر تعيين قضاة جدد وإجراء إصلاحات دستورية تحفظ استقلال القضاء وتحسن كفاءته.
تعد هذه الإستقالات خطوة فارقة في مسار العراق السياسي والدستوري، فهي لا تقتصر على كونها حادثة قانونية بحتة، بل هي انعكاس لتصدع في أسس النظام السياسي العراقي، وقد تكون مؤشرا على تغييرات جذرية في موازين القوى داخل الدولة.
في هذا السياق، تبرز الحاجة الملحة لإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس من العدالة والشفافية لضمان تحقيق الاستقرار السياسي والدستوري.
في هذه الظروف الصعبة يجب علی الأحزاب الکوردستانية تجنب الانقسام و العمل على توحيد مواقفهم، فالخلافات الداخلية قد تُضعف موقفهم في المواجهة و الضغط على الحكومة الاتحادية لتسوية ملف الرواتب والملفات الاخری العالقة والاستمرار في المطالبة بالمستحقات عبر قنوات متعددة، سواء داخل البرلمان أو من خلال الدبلوماسية الخارجية.
وإذا تطلب الأمر فعلی حکومة إقلیم کوردستان اللجوء إلى القضاء الدولي أو المنظمات العالمية، هذا فیما إذا استمرت الحكومة الاتحادية في تجاهل هذه المسائل.
وفي حال شعرت القوى السياسية الكوردستانية أن المحكمة الاتحادية قد تأثرت بالضغوط السياسية، فينبغي لهم المطالبة بتطوير آليات لضمان استقلالية القضاء العراقي، بحيث لا يتم تسييس قرارات المحكمة الاتحادية.
كما يجب دعم إنشاء محكمة اتحادية مهنية ومحايدة، تضم ممثلين من جميع الأطراف السياسية بما في ذلك الكورد. وعلیه التحرك لإصلاح النظام الفيدرالي بما يضمن حقوق الإقليم و إستقلالیته بشكل أقوى وفي نفس الوقت علی حکومة الإقلیم الإستمرار في الدبلوماسية الهادئة، التي تمتاز بها و التحلي بالصبر و عدم الانزلاق إلى صراعات مفتوحة مع الحكومة الاتحادية، والتي قد تُفاقم الأزمة الحالية.
ختاما يواجه شعب كوردستان اليوم تحديات كبيرة في ظل استقالة أعضاء المحكمة الاتحادية وأزمة الرواتب في إقليم كوردستان، ولكن من خلال الوحدة السياسية، والتحرك الاستراتيجي، والضغط الدولي، يمكن أن يحقق مصالحه ويُحسن وضعه داخل النظام السياسي العراقي.
من الضروري أن تظل مواقف الجهات الفاعلة في إقلیم كوردستان مرنة، وأن تعكف على تقوية علاقتها مع المجتمع الدولي، مع التمسك بالقضايا الجوهرية المتعلقة بحقوقها المالية والدستورية. Bottom of Form
كوردستان24
