قمع واعتقالات ومطالبات بالمحاسبة.. احتجاجات المعلمين العراقيين تتسع
وثّق مدونون ومواقع إخبارية عراقية محلية مشاهد مصورة أظهرت إصابة العديد من المعلمين والكوادر التدريسية المحتجة منذ مطلع الأسبوع الجاري، أمام مبنى مديرية تربية محافظة ذي قار (جنوب العراق)، نتيجة «القمّع المُفرط» لقوات الأمن المُكلّفة بحماية المبنى والسيطرة على الاحتجاجات المطالبة بزيادة المرتبات والمخصصات المالية للكوادر التربوية.
ويواصل معلمو العراق ، إضراباً عن الدوام الرسمي في خطوة تصعيدية تهدف إلى الضغط على الحكومة من أجل تحسين أوضاعهم المعيشية وزيادة مخصصاتهم المالية، وسط تحذيرات أطلقتها وزارة التربية من تأثير هذا الإضراب على سير الخطة التعليمية وإتمام العام الدراسي الحالي.
قمع واعتقالات
الصور ومشاهد الفيديو بيّنت إصابة عدد من المحتجين (نساء ورجال) بكدمات خفيفة ومتوسطة، في مناطق متفرقة من الجسم (الرأس والظهر والأطراف) على يد قوات الأمن التي حاولت تفريق جموع المحتجين أمام مبنى المديرية وسط مدينة الناصرية مركز المحافظة، الأمر الذي ولّد احتكاكات بين قوات «مكافحة الشغب» والمتظاهرين.
وحسب مصادر متطابقة، فإن القمّع جاء على خلفية أن المحتجين لم يتقدموا بطلب رسمي لإقامة تظاهرتهم التي تعدّها السلطات «غير مرخصة».
وخلال تفريق المحتجين أطلقت قوات «مكافحة الشغب» قنابل الغاز المسيل للدموع، وأقدمت على استخدام القوّة لتفكيك الاحتجاج، فضلاً عن عمليات اعتقال طالت عدداً من المشاركين في التظاهرة.
ومن بين المحتجين المعتقلين نائب رئيس لجنة التربية في مجلس محافظة ذي قار، سلام الفياض، الذي كان موجوداً في التظاهرة، فضلاً عن أنباء أفادت باعتقال عدد من المشاركين في الاحتجاجات من المصابين، أثناء وجودهم في المستشفى لتلقي العلاج.
وفي محاولة لتقليل حجم الاحتجاج، أقدمت قوات الأمن على منع دخول وفود من المعلمين القادمين من الأقضية والنواحي إلى مركز المدينة.
مطالبات بالمحاسبة
على إثر ذلك، أعربت المديرية العامة للتربية في محافظة ذي قار عن استنكارها للاعتداء الذي تعرّض له عدد من الكوادر التربوية خلال مشاركتهم في وقفة احتجاجية للمطالبة ببعض الحقوق.
وطالبت، في بيان صحافي، الجهات المعنية بـ«محاسبة كل من حاول المساس بكرامة التربويين، الذين يمثلون الركيزة الأساسية لبناء الأجيال وخدمة الوطن».
وكانت اللجنة التنسيقية للمعلمين والمدرسين في العراق قد دعت، في وقت سابق، إلى إضراب شامل ، للمطالبة بتحقيق حزمة من المطالب، أبرزها: شمول شريحة المعلمين والمدرسين بقانون الخدمة التربوية أسوةً بالخدمة الجامعية، وزيادة المخصصات المالية بمختلف أنواعها، مثل مخصصات تحسين المعيشة والمهنية، وبدل النقل، ومخصصات الأطفال.
وروَّج المعلمون الإضرابَ عبر صفحات التواصل الاجتماعي، مؤكدين أن حقوقهم تُهدر، وأن الإنصاف لا يتحقق إلا من خلال التضامن الجماعي والإضراب عن الدوام الرسمي.
وشهدت المدارس في عموم المحافظات العراقية شللاً شبه تام، حيث بدت خالية من المعلمين والمدرسين، نتيجة الاستجابة الواسعة للإضراب. وأكدت إدارات المدارس أن "الإضراب سيكون له تأثير واضح على أداء الحصص الدراسية، ضمن الخطط التعليمية المقررة".
اعتصام داخل المدارس
وردت نقابة المعلمين العراقيين، امس الثلاثاء، على مقررات رئيس الوزراء محمد شياع السوداني بشأن مطالب المعلمين المحتجين، وذلك عقب حضور نقيبها جلسة مجلس الوزراء، وقررت تنفيذ اعتصام داخل المدارس يوم الخميس المقبل، داعية في الوقت ذاته البرلمان العراقي إلى عقد جلسة طارئة لمناقشة مطالب الكوادر التعليمية، فيما أعربت عن استنكارها لحادث الاعتداء على تربويين في محافظة ذي قار(مركزها الناصرية).
جاء ذلك في بيان أصدرته النقابة، بعد حضور نقيب المعلمين جلسة مجلس الوزراء ، الثلاثاء، والتصويت على عدد من مطالب المعلمين.
وأشارت النقابة في بيانها، إلى أن قرار الاعتصام في داخل المدارس يأتي خشية من تدخل بعض الأطراف التي تسعى إلى حرف مسيرة الاحتجاج ولتكون الفعاليات تربوية خالصة.
فيما أوضحت، أن دعوة مجلس النواب إلى عقد جلسة طارئة بحضور نقيب المعلمين هي لمناقشة مطالب المعلمين بعد أن أعلن نواب التضامن مع المطالب لإنصاف هذه الشريحة المهمة لأن الكثير من المطالب تحتاج إلى إلغاء وتشريع قوانين مثل تعديل (سلم الرواتب).
وكان مجلس الوزراء العراقي، قد أصدر بوقت سابق من اليوم، حزمة قرارات تتعلق بالكوادر التربوية والتعليمية وموظفي وزارة التربية، من بينها إجراء دراسة لمنح علاوة مالية والترفيع مقابل سنوات الخدمة المجانية المحتسبة.
دعوات لجلسة طارئة للبرلمان
في الاثناء ، وصفت النائبة عن محافظة ذي قار، هدى السعيدي، ما حصل من اعتداء على الكوادر التربوية خلال تظاهرتهم امام مديرية التربية بـ«القمع والاعتداء السافر وغير الأخلاقي»، داعية وزير الداخلية إلى زيارة المحافظة في ظل عدم استجابة قائد الشرطة لاتصالات أعضاء البرلمان او أعضاء مجلس المحافظة.
وقالت في بيان لها إنه «لا يمكن البقاء مكتوفي الايدي أمام هذا القمع المفرط والإصابات العديدة للكوادر التربوية»، داعية مجلس النواب إلى «عقد جلسة طارئة» للوقوف على الأحداث التي رافقت الاحتجاجات في ذي قار.
فيما طالبت عضوة مجلس محافظة ذي قار، نغم الإبراهيمي، بعقد جلسة طارئة للمجلس على خلفية الاعتداءات الأخيرة على الكوادر التربوية خلال تظاهرتهم.
الاحتجاجات تتسع
الاحتجاجات لم تشمل محافظة ذي قار فقط، بل امتدت إلى مدينة البصرة، أقصى الجنوب، إذ نظّم المئات من الكوادر التربوية احتجاجاً أمام تربية البصرة للمطالبة بحقوقهم، الأمر الذي أسهم في غلق المبنى.
وفي بابل، أعلنت الكوادر التربوية الاستمرار في الإضراب العام. وقالت تنسيقيات الكوادر في بابل والبصرة في بيان إنه «بعد الإضراب الذي استمر لمدة يومين ولم يتم تحقيق مطالب الكوادر التربوية من قبل الحكومة المركزية وصم أذِنها عن مطالبنا المشروعة من قبل مجلس الوزراء بإنصافنا في تلبية أبسط حقوقنا لتحسين واقعنا المعيشي وزيادة مخصصات كل من يخدم العملية التربوية في العراق، لذا تقرر الاستمرار بالإضراب العام عن الدوام، والنزول بمظاهراتً كبرى امام مديرية تربية بابل».
وتابعت: «نهيب بكوادرنا التي صمدت وطالبت بحقوقها المسلوبة بالمشاركة الواسعة في التظاهرة المركزية، وترقب مخرجات جلسة مجلس الوزراء التي ستعقد بالتزامن مع موعد التظاهرة».
وأعلنت أنه «إن لم يتم تحقيق مطالبنا التي تم الإعلان عنها في بياننا رقم 1 فسيتم اللجوء إلى خطوات تصعيدية أخرى لا يحمد عقباها».
وفي محافظة ديالى، قطع المئات من المتظاهرين، أحد أهم الطرق الحيوية في مدينة بعقوبة، مركز المحافظة، أمام مبنى تربية المحافظة مطالبين بأنصافهم حقوقهم المالية.
حق دستوري
في السياق أيضاً، أدان الحزب الشيوعي العراقي استخدام القوات الأمنية للقنابل الدخانية في تفريق احتجاجات المعلمين، مؤكداً أن الإضراب حق دستوري وأن القمع والاعتقالات يمثل انتهاكاً فاضحاً للحريات.
وقال المكتب السياسي للحزب في بيان إن «قوات الأمن قمعت صباح اليوم الثلاثاء (أمس) بالقنابل الدخانية المعلمين والتربويين وأصيب عدد منهم خلال ممارستهم حقهم الدستوري في الإضراب عن الدوام، والاحتجاج للمطالبة بحقوقهم المشروعة».
وأشار البيان إلى أن «جهات أمنية أقدمت على حملة تفتيش عدد من المدارس في اليومين الماضيين للاستفسار عن حضور وغياب الملاكات التربوية المساهمين في إضراب المعلمين»، موضحاً أنه «جرى اعتقال ناشطين منهم، فضلاً عن احتجاز ناشطين من حراك الموظفين في واسط».
وعبّر الحزب عن «رفضه الشديد لهذه الإجراءات البوليسية»، معتبراً أنها «محاولة لترهيب الكوادر التربوية ومنعهم من ممارسة حقهم الدستوري في الإضراب السلمي وتشكل انتهاكاً صارخاً للحريات العامة المكفولة دستورياً ولحقوق الإنسان». وأكد البيان أن «استخدام أساليب القمع والترهيب لن يحل مشاكل آلاف المساهمين في هذه الفعاليات الاحتجاجية السلمية»، داعياً إلى «الاستماع إلى مطالبهم وإيجاد الحلول المناسبة لها».
وحذر من أن «استمرار أسلوب المماطلة والتسويف سوف يزيد من السخط والاعتراض الشعبي، وقد يتحول إلى فعل جماهيري أوسع تصعب السيطرة عليه»، محملاً «منظومة الحكم ونهجها الفاشل مسؤولية ذلك، بعد فشلها في توفير العيش الكريم للمواطنين وغياب العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة».
وختم البيان بالتأكيد على وقوف الحزب الشيوعي العراقي «مع المتظاهرين السلميين» وتضامنه «مع مطالبهم المشروعة»، داعياً إلى «استمرار الضغط الشعبي من أجل نيل الحقوق».
