أزمات بالجملة في عهد العبادي.. ومعركة الموصل أنقذت حكومته من الانهيار
قصة الانتخابات العراقية من 2005 حتى 2021
لم تسلم أية دورة لانتخابات مجلس النواب، منذ 2005 وحتى 2021، من اتهامات التزوير والخروقات ومطالبة الكتل الخاسرة بالعد اليدوي، ومن ثم إدخال البلد في دوامة الصراعات والأزمات لتنتهي هذه العملية بتوافقات وتوزيع المناصب الحكومية حسب المحاصصات الدينية والطائفية.
كنت قد شهدت بحكم عملي الصحفي، أحداث جميع الانتخابات العراقية ميدانياً، مع تفاصيل الصراعات بين الأحزاب والكتل المرشحة للانتخابات خلف الكواليس، وبمناسبة تجدد الخلافات بين الأحزاب والكتل السياسية على نتائج التصويت في انتخابات (10 تشرين الأول 2021)، أدون هنا مشاهداتي ومعايشتي كمحايد، وعلى حلقات، وسأكشف بعض هذه التفاصيل في قصة الانتخابات العراقية.
الحلقة (13)
طلب غريب
يستغرب المراقبون أن يتصدى، اليوم، حيدر العبادي، رئيس الوزراء الأسبق،، لموضوع تشكيل الحكومة، فهو علاوة على أنه لم يحصل على مقعدين وربما 3 في البرلمان الجديد، فإن فترة حكمه ازدحمت بالمشاكل وحفلت بالأزمات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، وهذا ما عبرت عنه الاحتجاجات التي ثارت في عهده بعموم العراق، خاصة بغداد ومحافظات الوسط والجنوب (الشيعية)، كما أن علاقته بالكورد متأزمة للغاية منذ أحداث 16 أكتوبر 2017. فهو يستند على منجز واحد يتعلق بتحرير الموصل من تنظيم داعش الذي تم على أيدي قوات التحالف الدولي والجيش العراقي ومقاتلي البيشمركة، وقد أسفرت عمليات تحرير الموصل عن مقتل عشرات الآلاف من العراقيين المدنيين وتهديم مدينة الموصل القديمة تماماً.
أحداث متوقعة
في شهر نيسان 2017 التقيت أحد المقربين من العبادي في دبي، حيث كنت أعمل، وتحدث لي بإسهاب عن أوضاع العراق، وأهم أسباب الأزمات التي يعيشها البلد وقتذاك، قال "إضافة للارث الصعب الذي تورط به العبادي من سلفه نوري المالكي، فإن حزبه، الدعوة الذي يتزعمه المالكي بنفسه، هو من يزرع الألغام في طريق رئيس الحكومة (العبادي)، والسبب الأول أن المالكي يعتبر خلفه قد سلب منه الولاية الثالثة في رئاسة الوزراء، وهناك مثلاً ملف الحكومة واستقالات بعض الوزراء، وتسيد الميلشيات المسلحة على القوات الأمنية، غير هذا فإن رئيس الوزراء (العبادي) لا يستطيع التصدي لأي ملف فساد كون غالبية المتورطين بهذه الملفات هم من التحالف الوطني (الشيعي) ومعظمهم من قادة حزب الدعوة".
واستطرد المصدر المقرب من العبادي، قائلاً: "ما زاد في الأوضاع سوءاً هو التدخل الإيراني بقوة في الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية العراقية، اضافة إلى أن العبادي يطلق الوعود التي يعرف بأنه غير قادر على تنفيذها، مما أضعف موقفه شعبياً وسياسياً"، معرباً عن توقعه بأن "الأوضاع في ظل هذه الظروف لن تتحسن وماضية للأسوأ".
اعتراف متأخر
في 20 كانون الأول 2018، اعترف العبادي في حديث مع مجموعة من الأكاديميين والإعلاميين العراقيين بأن "أول التحديات التي واجهته ولا تزال تواجه العملية السياسية في البلاد هي التأثيرات الخارجية في صناعة القرار العراقي التي وصلت إلى حد الضغط باتجاه فرض وزراء من قِبل جهات خارجية"، في إشارة واضحة إلى إيران، مبيناً أن "التحدي الثاني الذي يواجه العراق هو استمرار انتشار السلاح غير المرخص الخاضع لمجاميع مسلحة تسمي نفسها فصائل هي ليست جزءاً من هيئة الحشد الشعبي التي هي تحت إمرة القائد العام للقوات المسلحة وفق القانون، ولا ترتبط بالأجهزة الأمنية الرسمية"، مشيراً إلى أن "الخطر في الموضوع يكمن باختلاف رؤية هذه الفصائل عن رؤية الدولة والحكومة، وهو ما يؤدي إلى عدم استقرار الأوضاع ما لم تتم معالجة هذا الملف".
أزمات بالجملة
لم يعرف عن رئيس الحكومة، حيدر العبادي، حسمه للأمور، وهذا ما زاد الأمور تدهوراً حيث واجهت حكومته، خلال عام 2016، احتجاجات شعبية وسياسية هي الأشرس منذ تشكل تلك الحكومة المؤلفة من 22 وزيراً نهاية 2014، وهو ما أدى إلى استقالة سبعة وزراء، وإقالة وزيرين، وخلو عدد من المناصب المهمة، بسبب خلافات بين القوى السياسية التي عصفت بحكومة العبادي في 2017.
وما زاد من تفاقم الأمور، سلبياً، هو دخول مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري على خط الاحتجاجات ضد الحكومة، مع أن لتياره 4 وزراء في هذه الحكومة، التي اتهمها "بأنها مبنية على المحاصصة السياسية"، وطالب بحلها وتشكيل "حكومة تكنوقراط" بعيداً عن الانتماءات الحزبية. والأكثر غرابة في موقف التيار الصدري هو أن العبادي ينتمي إلى التحالف الوطني (الشيعي)، وهو أكبر كتلة سياسية برلمانية بـ182 مقعداً من أصل 328 مقعداً، وتعتبر (كتلة الأحرار) التابعة للصدر أبرز أركانها، إضافة إلى كتل سياسية عدة، أبرزها (ائتلاف دولة القانون) بزعامة المالكي و(المجلس الأعلى الإسلامي) بزعامة عمار الحكيم، إضافة إلى (تيار الإصلاح) بزعامة إبراهيم الجعفري.
ومع تصاعد الاحتجاجات ضد العبادي، لا سيما في المدن ذات الغالبية الشيعية وسط وجنوب العراق، بادر كل من وزير النقل باقر الزبيدي، ووزير النفط عادل عبدالمهدي، مطلع آذار، وهما من المجلس الأعلى الإسلامي، بإعلان استقالتهما تحت ذريعة "إفساح المجال أمام العبادي لاختيار وزراء تكنوقراط"، وهو ما شجعه، في الشهر ذاته، على إعلان اعتزامه تشكيل حكومة تكنوقراط.
وبالفعل، قدم العبادي، يوم 31 آذار 2016، قائمة إلى البرلمان تضم حكومة "تكنوقراط" من 16 وزيراً جديداً، باستثناء وزارتي الدفاع والداخلية، ليصوت النواب عليها.
نواب..محتجون
من جهته، أراد مجلس النواب أن يظهر للعراقيين بأنه ممثل للشعب من خلال تعاطفه مع الاحتجاجات، وجاء ذلك من باب استعراض للموقف وليس من باب الانحياز للإصلاحات، وعمد إلى تأخير المصادقة على الحكومة الجديدة (التكنوقراط) لعشرة أيام لدراسة ملفات المرشحين لممارسة المزيد من الضغط على رئيس الحكومة. لكن مجلس النواب لم يصوت على المرشحين الجدد للوزارة رغم مرور الأيام العشرة، ما دفع الصدر إلى سحب وزرائه الأربعة من الحكومة، في خطوة تصعيدية جديدة مهدت لأزمة كبيرة كادت أن تطيح بالعبادي نفسه من الحكومة.
جبهة برلمانية
سرعان ما تحولت الأزمة إلى مسألة تصفية حسابات بين الكتل السياسية، حيث استغل نواب في البرلمان حماسة المحتجين المطالبين بالإصلاح وتحولوا إلى مصلحين أكثر من الإصلاح ذاته، وقرر أكثر من 100 نائب تشكيل جبهة سياسية مستقلة تحت اسم "جبهة الإصلاح"، متعهدين بإجراء إصلاح في البرلمان قبل الحكومة.
وكانت هذه الخطوة، التي لم تنطل على الشعب، من أجل الحفاظ على مواقعهم وإظهار أنفسهم أكثر حرصاً على تنفيذ مطالب المحتجين من الحكومة ورئيسها، عند ذاك طالب المحتجون من هؤلاء النواب تقديم استقالاتهم من البرلمان إذا كانوا بالفعل حريصين على تنفيذ مطالب المحتجين، وبدلاً من ذلك عقد، في 14 نيسان 2016، من أطلقوا على أنفسهم أعضاء "جبهة الإصلاح" جلسة في غياب رئيس البرلمان، سليم الجبوري، وصوتوا لصالح إقالته من منصبه، وتعيين النائب السُني، عدنان الجنابي، رئيساً مؤقتاً للبرلمان.
ومع هذه الخطوة، انقسم البرلمان إلى شطرين برئاستين، لكن ذلك لم يمنع العبادي من التحرك سياسياً لاحتواء الأزمة، حيث جدد دعوته إلى البرلمان للتصويت على حكومة (التكنوقراط) التي اقترحها.
(قنفة) البرلمان
في 26 نيسان 2016، صوت البرلمان لصالح منح الثقة لخمسة وزراء جدد، هم: وزراء الصحة، والعمل، والشؤون الاجتماعية، والموارد المائية، والكهرباء، والتعليم العالي، ضمن حكومة (التكنوقراط)، بينما لم يمنح النواب ثقتهم لوزارء الخارجية، والتربية، والعدل، والشباب والرياضة، والثقافة (بالوكالة)، والنقل، والاتصالات (بالوكالة).
وأشعل، هذا التصويت الجزئي على الحكومة المقترحة، غضب الصدر مجدداً، فاقتحم أتباعه، في نيسان، المنطقة الخضراء في العاصمة بغداد، ثم دخلوا عنوة مبنى البرلمان وحطموا بعض محتوياته، على خلفية إخفاقه في عقد جلسة رسمية للتصويت على حكومة التكنوقراط. وتداولت مواقع التواصل الاجتماعي والإعلام مشاهد فديو وصور فوتوغرافية تظهر رئيس البرلمان، سليم الجبوري، وهو يقف مع مساعديه قرب (قنفة) بيضاء في مكتبه، وتبدو عليه ملامح الأسف لتحطيم (القنفة)، وكتب متداولون على الفيس بوك وتويتر تعليقات عدة، بعضها ساخرة وأخرى جادة، كان أبرزها أن "الجبوري أبدى أسفه على خراب قنفته، لكنه لم يهتم لاحتجاجات العراقيين واقتحامهم لمبنى مجلس النواب". تبع هذه الحادثة، في 21 أيار من نفس العام، اقتحام آخر لأنصار الصدر لمكتب رئيس الحكومة، العبادي، احتجاجاً على عدم تشكيل حكومة "التكنوقراط".
استقالات بالجملة
واستفحلت الأزمة عندما أصدرت المحكمة الاتحادية العليا (أعلى سلطة قضائية)، في 28 حزيران 2016، قراراً أبطلت بموجبه تصويت البرلمان على التعديل الجزئي لحكومة العبادي، وألغت قرار إقالة رئيس البرلمان، سليم الجبوري. وفي تموز، أعلن العبادي قبول استقالة سبعة وزراء شيعة من حكومته، وهم: وزير التعليم العالي حسين الشهرستاني، ووزير النفط عادل عبدالمهدي، ووزير النقل باقر جبر الزبيدي، ووزير الإعمار والإسكان طارق الخيكاني، ووزير الموارد المائية محسن الشمري، ووزير الصناعة محمد الدراجي، والداخلية محمد الغبان.
بموازاة ذلك، عاد العبادي وقدم قائمة حكومية جديدة إلى البرلمان، في مطلع آب، تضم خمسة وزراء جدد من التكنوقراط: للنفط، والتعليم العالي، والموارد المائية، والنقل، والصناعة، وبعد مناقشات صوت البرلمان، منتصف ذلك الشهر، لصالح منح الثقة لهذا التعديل الحكومي.
حكومة بالوكالة
أزمة الوزراء استمرت بخطط من النواب الشيعة، مستهدفين العرب السنة والكورد، ففي 25 آب، صوت البرلمان العراقي لصالح إقالة وزير الدفاع، خالد العبيدي، من منصبه بعد أقل من شهر على استجوابه داخل البرلمان بطلب من عالية نصيف، بشأن ملفات فساد. وبعد أقل من شهر، وتحديداً يوم 21 أيلول، صوت البرلمان أيضاً لصالح إقالة وزير المالية (كوردي)، هوشيار زيباري، من منصبه بتهم تتعلق بالفساد. ويعرف الجميع أن إقالة الوزيرين كانت لأسباب طائفية وسياسية، وهذا ما صرح به أيضاً كل من العبيدي وزيباري.
حدث ذلك بينما بقيت وزارات الدفاع والمالية والداخلية والتجارة والصناعة تدار بالوكالة، بسبب عدم وجود تفاهمات سياسية بشأن المرشحين لتلك الحقائب، وهي خلافات كادت تعصف بحكومة العبادي في عام 2017.
معركة الموصل أنقذت العبادي
لولا قرار قوات التحالف الدولي والحكومة العراقية وحكومة إقليم كوردستان بتحرير مدينة الموصل من تنظيم داعش الإرهابي الذي احتلها في عام 2014، لكانت حكومة العبادي قد انهارت تماماً بسبب الاحتجاجات والصراعات الداخلية بين الأحزاب، ومنافسات البرلمانيين.
أطلق العبادي، باعتباره القائد العام للقوات المسلحة، تسمية "قادمون يا نينوى" على معارك تحرير الموصل واستعادتها من تنظيم داعش الذي اعتبر المدينة (الموصل) عاصمة دولته، وشاركت في هذه المعارك: قوات التحالف الدولي والجيش العراقي وقوات البيشمركة في إقليم كوردستان وبعض قطعات الحشد الشعبي الذي تشكل بفتوى (الجهاد الكفائي) التي أصدرها المرجع الشيعي علي السيسستاني.
بدأت المعارك البرية في 16 تشرين الأول 2016. وأعلن العبادي رسمياً عن بداية العمليات الحربية في اليوم التالي، في 17 تشرين الأول 2016، بينما كان عدد المدنيين من أهالي الموصل الذين اتخذهم التنظيم الإرهابي دروعاً بشرية أكثر من مليون ونصف المليون نسمة.
وحسب البيانات الحكومية وبيانات قوات التحالف تمت السيطرة على مدينة الموصل من قبل الجيش العراقي، وأعلن عن تحرير الموصل في 10 تموز 2017 بمشاركة أكثر من 60 ألفاً من القوات العراقية والبيشمركة، وأدت المعارك إلى مقتل 25 ألف مسلح من داعش ونزوح ما يقارب مليون شخص من الموصل منذ انطلاق العمليات العسكرية لتحريرها في شهر تشرين الأول، وأعلن مجلس محافظة نينوى أن 80% من مدينة الموصل قد دمرت بالكامل، كما نفذت طائرات التحالف الدولي حوالي 20 ألف طلعة جوية قتل فيها حوالي خمسة آلاف من الدواعش.
التنكر لقوات التحالف
وعلى الرغم من وجود قوات التحالف ومشاركتها المؤثرة في تحرير الموصل، قال العبادي أن دخول المدينة سيقتصر على الجيش العراقي والشرطة الوطنية العراقية فقط. لكن فعلياً خضعت الموصل لسيطرة الميلشيات المسلحة الموالية لإيران والتي تنضوي تحت لواء الحشد الشعبي.
وجاء في بيان إعلان النصر، والذي قرأه العبادي في مدينة الموصل "أعلن من هنا النهاية والفشل وانهيار الإرهاب ودولة الباطل الإرهابية والتي أعلن عنها داعش الإرهابي من الموصل".
وفي 13 تموز 2017، بدأ سكان الموصل بالعودة إلى المدينة بحثاً عن جثث أقاربهم وأصدقائهم الذين سقطوا ضحايا جرائم تنظيم داعش والقصف الجوي والمدفعي لقوات التحالف والجيش العراقي. وطبقاً لتقرير لوكالة الأنباء الفرنسية، فإن السكان المشردين حاولوا عبور حواجز الطرق للعودة إلى أحيائهم لكن الوصول إلى مدينة الموصل القديمة كان شبه مستحيل حيث تستمر عمليات إزالة الألغام.
وقدم العبادي نفسه باعتباره بطلاً للتحرير في استعراض عسكري تم في ساحة التحرير وسط بغداد في 15 تموز 2017
روداو
