• Saturday, 25 July 2026
logo

السلام الكوردي - التركي بين ضرورات الداخل والأبعاد الإقليمية

السلام الكوردي - التركي بين ضرورات الداخل والأبعاد الإقليمية
ان محاولة اردوغان إقناع زعيم حزب العمال الكوردستاني عبدالله اوجلان بأن يطلب من جماعته ترك السلاح والجنوح الى السلم والبدء بعملية السلام بين الجانبين، ستدخله التاريخ كأول زعيم تركي نجح في إيجاد حل سلمي لقضية أرهقت تركيا طوال العقود الماضية، حيث تشير التقارير إلى أن هذا الصراع أودى بحياة أكثر من 45 ألف شخص من الجانبين وتدمير قرابة 6 آلاف قرية وبلدة كوردية في جنوب شرقي تركيا، فضلاً عن كلفة مالية بلغت نحو 500 بليون دولار (وفق التقارير التركية) كانت كافية لتحقيق نهضة اقتصادية واجتماعية في المناطق الكوردية التي تعاني من الفقر والتخلف مقارنة بالمناطق التركية، لكن من يعرف تعقيدات القضية الكوردية في تركيا والأيديولوجيا التركية السائدة، يعرف أن تحقيق السلام التركي – الكوردي ليس سهلاً، وأن الأمور ليست وردية.

مع دعوة زعيم حزب العمال الكوردستاني عبدالله أوجلان حزبه إلى عقد مؤتمر عام طارئ في الربيع لإعلان ترك السلاح وإنهاء العنف في شكل نهائي، دخلت عملية السلام بين تركيا وكوردها مرحلة جديدة. الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كان ينتظر دعوة أوجلان بفارغ الصبر للبحث في ترتيب المشهد السياسي التركي على أبواب الانتخابات البرلمانية والانتقال إلى النظام الرئاسي الذي يعد له على قدم وساق، فيما حزب العمال الكوردستاني وقيادته في قنديل يبدوان غارقين في جدل الحسابات والخيارات، فهو الحزب الذي انطلق قبل نحو أربعة عقود من شعار تحرير وتوحيد كوردستان ليجد نفسه اليوم أمام عملية سياسية معقدة وطويلة، تشوبها الكثير من الشكوك وغياب الثقة والإحساس بعدم تحقيق نتائج مضمونة خاصة لجهة سقف الحقوق والمطالب التي رفعها طويلاً، وهو ما يثير الشكوك في شأن إمكانية تحقيق سلام يحقق التطلعات الكوردية في الاعتراف الدستوري بالقومية الكوردية ومنح الكورد حكماً ذاتياً، وبما يؤدي إلى إعادة تأسيس بنية الدولة التركية.

كان أردوغان ينتظر بفارغ الصبر تلك الدعوة السحرية من أوجلان لمقاتليه: اتركوا السلاح، فأردوغان يعتقد أن مثل هذه الدعوة ستفتح الطريق أمام تحقيق وعده بالحصول على 400 مقعد في الانتخابات البرلمانية المقررة في السابع من حزيران (يونيو) المقبل كي يصبح الطريق إلى النظام الرئاسي سالكاً من دون عقبات، فضلاً عن أنها ستدخله التاريخ كأول زعيم تركي نجح في إيجاد حل سلمي لقضية أرهقت تركيا طوال العقود الماضية، حيث تشير التقارير إلى أن هذا الصراع أودى بحياة أكثر من 45 ألف شخص من الجانبين وتدمير قرابة 6 آلاف قرية وبلدة كوردية في جنوب شرقي تركيا، فضلاً عن كلفة مالية بلغت نحو 500 بليون دولار (وفق التقارير التركية) كانت كافية لتحقيق نهضة اقتصادية واجتماعية في المناطق الكوردية التي تعاني من الفقر والتخلف مقارنة بالمناطق التركية، لكن من يعرف تعقيدات القضية الكوردية في تركيا والأيديولوجيا التركية السائدة، يعرف أن تحقيق السلام التركي – الكوردي ليس سهلاً، وأن الأمور ليست وردية، وأعتقد أن أردوغان نفسه يعرف أن الأمور ليست سهلة، وأن الطريق مليئة بالعقبات والأخطار والتعقيدات، إذ فور دعوة أوجلان مقاتليه إلى ترك السلاح، أكد أردوغان في تصريح تلفزيوني أن العبرة بالتطبيق لا بالتصريحات فقط، وهو عندما أطلق هذا التصريح كان يخاطب أو يفكر بقيادة الحزب في قنديل وليس بأوجلان المعتقل في إيمرالي منذ 15 عاماً، فهو يدرك أنه على رغم الرمزية الكبيرة لأوجلان لدى الكورد ومكانته في وجدانهم الشعبي، إلا أن قرار ترك السلاح من عدمه، هو في يد قنديل التي تجاور إيران والعراق وسورية وتنفتح على أمريكا مع الحرب ضد «داعش»، حيث تتقاطع المصالح والتحالفات والتحالفات المضادة في منطقة تشهد تطورات عاصفة ودراماتيكية حيث التطلعات التركية الإقليمية الجامحة.

ما سبق، لا يقلل من أهمية دعوة أوجلان، فهي لم تأت من الفراغ، بل جاءت بعد مفاوضات غير مباشرة استمرت لأكثر من عامين وخطوات من الجانبين، فحزب العمال إلتزم بدعوة زعيمه السابقة (21 آذار - مارس 2013) بوقف إطلاق النار من جانب واحد وسحب الكثير من مقاتليه من المناطق الكوردية في تركيا إلى كوردستان العراق، في المقابل اتخذت الحكومة التركية خطوات انفتاحية على الكورد لم تكن ممكنة في عهد الحكومات السابقة.

وفي الأساس فإن هذا النزوع نحو السلام جاء بعد قناعة الطرفين بعدم جدوى الحل العسكري، وضرورة البحث عن حل سلمي يحقق الهوية القومية للكورد والاستقرار لتركيا، ولعل ما يزيد من الرغبة السياسية بتحقيق ما سبق، تلك التطلعات الكبيرة لأردوغان، سواء في ما يتعلق بالانتخابات البرلمانية لتمرير النظام الرئاسي، أو كسب كورد المنطقة (سورية، العراق، إيران) إلى جانب تركيا في الصراعات الإقليمية الجارية، أو في محاولة لتحسين صورة الديموقراطية في تركيا، وبما يؤدي كل ذلك إلى تعزيز موقع تركيا في الاستراتيجية الغربية ومن نفوذها في المنطقة بعد أن تعرض مشروعها الإقليمي للفشل عقب انهيار حكم «الإخوان المسلمين» في مصر وانسداد السياسة التركية تجاه الأزمة السورية.

أيهما أولاً: نزع السلاح أم السلام؟

ثمة إشكاليات كثيرة وكبيرة تعترض عملية السلام الكوردية – التركية، ولعل في مقدم هذه العقبات، عقبة أو إشكالية، أيهما أولاً: نزع سلاح حزب العمال الكوردستاني أم تحقيق السلام؟ من الواضح أن أردوغان يريد من الحزب ترك السلاح أولاً وتسليم عناصر الكوردستاني أنفسهم إلى السلطات التركية في إطار ما تسميه أنقرة بقانون الندامة، فيما يرى الكوردستاني العكس تماماً، إذ إن رؤيته تقول أن مسألة نزع السلاح تأتي في ختام خطوات عملية السلام، بمعنى حين تحقيق السلام، بخاصة أن الثقة بالحكومة التركية مفقودة، كما أن مصير عناصر الكوردستاني ينبغي أن يكون من خلال عملية سياسية مدروسة تؤدي إلى الاعتراف بالحزب كممثل لكورد تركيا وأن يشارك في الحياة العامة، وممارسة السلطة في المناطق الكوردية التركية على شكل عناصر شرطة محلية وبلدية تقوم بالمهام الأمنية والخدمية والسياسية، وليس التعامل معهم كمجرمين أو مذنبين كما ترى أنقرة.

ولعل ما سبق يفرض جملة تحديات على الجانبين.

فمثلاً هل الحكومة التركية مستعدة لتقديم تنازلات جوهرية للكورد لتحقيق السلام على الأرض عبر الاستجابة للمطالب الكوردية؟ وهل تركيا مستعدة للانتقال إلى الحكم المحلي على غرار الدول الأوروبية في الوقت الذي يتجه أردوغان إلى المركزية الشديدة للسلطة ويحصر كل مفاتيح السلطة والحكم بيده؟ في المقابل، هل المقاتلون الكورد التابعون لحزب العمال الكوردستاني مستعدون للنزول من الجبال بمجرد دعوة أوجلان وهو الحزب الذي قدم تضحيات كبيرة خلال العقود الماضية ويقبل بالرضوخ للحل التركي الذي يريده أردوغان في خدمة سياساته الداخلية والإقليمية؟ من الواضح أن الأمور ليست بسيطة كما يتخيل البعض، ولعل من يقرأ البيان الصادر عن قيادة قنديل عقب دعوة أوجلان سيرى أنه من الصعب إن لم يكن من المستحيل نجاح هذه العملية ما لم يغير الطرفان مواقفهما ويقدما تنازلات جوهرية ويتخذا قرارات شجاعة.

فقيادة الكوردستاني ربطت في شكل واضح وصريح التخلي عن السلاح بتحقيق الحل السلمي من خلال البنود (10 بنود) التي طرحها أوجلان كخريطة طريق للحل، بمعنى أن ترك السلاح هو آخر خطوة في الحل وليس كما يطالب أردوغان: ترك السلاح أولاً ومن ثم البحث في خطوات الحل. الأمر الثاني المهم، يتعلق بسقف الحقوق التي يمكن أن تعطيها أنقرة للكورد ويقبل بها الحزب الكوردستاني؟ مثلاً هل يمكن أنقرة أن توافق على حكم ذاتي للكورد له إدارة تتمتع بمقدار من الاستقلالية والخصوصية بعيداً عن التوجهات المركزية لأردوغان وتطلعه إلى نظام رئاسي مطلق الصلاحيات؟

الأمر الثالث، هو أن الحكومة التركية مع من ستتفاوض من أجل تحقيق السلام؟ هل يمكن مثلاً أن تدخل في حوار مع قيادة حزب العمال الكوردستاني الذي ما زالت تصفه بالإرهاب؟ وهل يمكن أن تقبل بالحزب ممثلاً شرعياً لكورد تركيا فيخوض الانتخابات ويدخل البرلمان ويعبّر عن التوجهات الكوردية؟.

في المقابل، السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه على الكوردستاني، هل بات الأخير مستعداً حقاً لترك السلاح والانخراط في الحل السياسي والاكتفاء بسقف الحكم الذاتي بعيداً من شعارات الاستقلال التي رفعها طويلاً؟ أسئلة لا بد من طرحها عند الحديث عن السلام الكوردي – التركي، وعلى الإجابة عنها يتوقف مستقبل العملية بين الجانبين.

في الواقع، الأسئلة والمعضلات السابقة لا تقلل من أهمية دعوة أوجلان إلى ترك السلاح، فهذه الدعوة تشكل خطوة مفصلية للدفع بالسلام التركي – الكوردي إلى واقع الحل من خلال الخطوات الآتية:

أولاً: الانتقال من دائرة المفاوضات المغلقة والسرية والاستخباراتية (حتى الآن المفاوضات هي بين أوجلان والاستخبارات التركية ممثلة برئيسها حق فيدان الذي عاد إلى منصبه بعد أن قدم استقالته) إلى حوار علني بين الحكومة التركية والحزب، وتشكيل لجان لمتابعة مقتضيات العملية السلمية في المجالات كافة، ما يؤدي إلى إزالة العقبات التي تعترض العملية.

ثانياً: وضع خريطة طريق واضحة الخطوات والمراحل والأهداف المرحلية وإيجاد الآليات السياسية والقانونية لتحقيق الأهداف المنشودة، ما يؤدي إلى زرع الثقة وبناء الخطوات اللازمة، على شكل تراكم استراتيجي يحقق عناصر السلام والديمومة.

ثالثاً: إيجاد ضمانات حقيقية لإنجاح العملية السلمية من خلال هيئة متابعة تقوم بالاشراف على العملية وتنفيذ الخطوات المطلوبة من الطرفين، وهنا ينبغي التذكير بدعوة أوجلان إلى أهمية وجود طرف ثالث على شكل هيئة أو لجنة تضم أمريكيين وأوروبيين وشخصيات من منظمات وهيئات دولية تقوم برعاية المفاوضات ومتابعتها والإشراف عليها مرحلة مرحلة، فضلاً عن إقليم كوردستان، وهو ما قوبل برفض تركي حتى الآن.

رابعاً: أهمية توسيع نطاق مشاركة أحزاب كوردية وتركية أخرى في مفاوضات العملية السلمية، فإلى جانب حزب العمال الكوردستاني هناك أحزاب كوردية أخرى مثل الحزب الديموقراطي والاشتراكي والشعوب الديموقراطية الممثل في البرلمان، فيما على الجانب التركي مشاركة أحزاب المعارضة، لا سيما حزب الشعب الجمهوري وكذلك البرلمان، كي لا تكون العملية كأنها مجرد بحث بين حزبين (حزب العمال الكوردستاني وحزب العدالة والتنمية الحاكم)، فالعملية تتعلق بمستقبل العلاقة بين الأتراك والكورد والعيش المشترك بينهم، وليس بالحسابات الحزبية والانتخابية.

خامساً: ألّا تكون الأهداف من العملية تحقيق غايات وأجندة إقليمية تعمل تركيا على تحقيقها في ظل ما يشهده العراق وسورية من تطورات دموية على وقع الجرائم التي يرتكبها «داعش» و «جبهة النصرة»، ومحاولة تركيا استغلال صعود نفوذ الجماعات الإرهابية المتشددة في المنطقة لتحقيق أجندة إقليمية عبر تغيير الأنظمة لمصلحة نفوذ تركي تقف وراءه طموحات جامحة باتت تتلخص بالعثمانية الجديدة، وهي نزعة تثير الكثير من الحساسيات التاريخية والاجتماعية والطائفية في المنطقة.

لعل ما يؤكد أهمية الانطلاق بالعملية على أسس صادقة وعملية لتحقيق الأهداف الموجودة، وجود ما يمكن تسميته في الجانبين التركي والكوردي بصقور لا يؤمنون بالعملية السلمية، فضلاً عن غياب الثقة والإرث الثقيل للصراع واختلاف الأولويات إلى درجة التناقض.

دعوة مفصلية أمام الامتحان

على رغم العقبات السابقة، ينبغي القول أن دعوة أوجلان إلى ترك السلاح كانت مفصلية في الصراع، فهي جاءت عقب مفاوضات غير مباشرة استمرت لأكثر من عامين وخطوات من الجانبين ومتغيرات محلية وإقليمية وتطورات عاصفة، فالحزب الكوردستاني أحدث خلال العقد الماضي تحولاً كبيراً في أيديولوجيته وشعاراته ومطالبه، إذ إنه لم يعد الحزب الماركسي الذي يطالب بإقامة دولة قومية مستقلة ويؤمن بالسلاح لتحرير المناطق الكوردية - التركية وإنما بات يبحث عن عملية سياسية تحقق للكورد الاعتراف الدستوري بحقوقهم، كما أن الجانب التركي الذي استخدم كل ما لديه من قوة وعنف خلال الفترة الماضية، يبدو أنه وصل إلى قناعة بعدم جدوى هذا النهج، وبالتالي ضرورة البحث عن حل سياسي، فضلاً عن إدراكه أهمية الورقة الكوردية في الحسابات والصراعات الإقليمية الجارية في المنطقة، بخاصة بعد أن تحول الكورد في عموم منطقة الشرق الأوسط من ورقة كانت تستخدم هنا أو هناك إلى لاعب إقليمي، لا سيما بعد انفتاح الغرب عليهم وبروز أهمية دورهم في محاربة تنظيم «داعش» في العراق وسورية. عليه، يمكن القول أن العملية السلمية السياسية بين الكورد والأتراك تأتي تعبيراً عن قناعة عميقة لدى الطرفين باستحالة حل القضية الكوردية في تركيا عسكرياً، بالتالي ضرورة البحث عن حل سلمي على أساس تحقيق الهوية للكورد والاستقرار لتركيا، وانطلاقاً من هذه القناعة يسعى كل طرف للاستفادة من المتغيرات الجارية ومناخ مرحلة ما بعد (ثورات الربيع العربي) للانتقال إلى مرحلة جديدة. لكن، من الواضح أن إيجاد حل نهائي لهذه القضية يتجاوز محاولة الانعطاف للظروف والمتغيرات واتخاذ خطوات محدودة على رغم أهميتها لجهة تأسيس الثقة ومد الجسور وإيجاد خريطة للحل، فهذه القضية تقف على إرث دموي وشقاق قومي وإنكار سياسي تركي للتعدد القومي والمذهبي في تركيا منذ تأسيس الجمهورية التركية. عليه، فإن دعوة أوجلان إلى ترك السلاح تشكل خطوة مفصلية للانتقال بالعملية من دائرة المفاوضات المغلقة إلى خطوات الحل الحقيقي على أساس خريطة واضحة الخطوات والمراحل وضمانات وآليات لتحقيق الهدف المنشود.

وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى أن الأنظار باتت تتجه إلى الدور المهم الذي يقوم به حزب الشعوب الديموقراطية الكوردي في هذا المجال على شكل ناقل الرسائل بين أوجلان وقيادة حزب العمال في قنديل من جهة، وتقريب وجهات النظر بين الحزب والحكومة التركية من جهة ثانية، وهو دور أكسب الحزب صدقية كبيرة في الشارعين الكوردي والتركي ويوحي بدور كبير له في المرحلة المقبلة، بخاصة إذا تجاوز عتبة 10 في المئة في الانتخابات البرلمانية المقررة في السابع من حزيران للدخول إلى البرلمان، وإذا نجح في هذا الامتحان، فإن عملية السلام ستحصل على دفعة قوية من دون أن يعني ما سبق التقليل من أهمية موقف قيادة حزب العمال في قنديل من دعوة زعيمه إلى ترك السلاح، حيث سيتضح هذا الموقف في المؤتمر الطارئ للحزب، والذي من المقرر عقده قريباً.

وإلى أن يعقد الحزب مؤتمره العام ومعرفة قراره النهائي في شأن دعوة زعيمه إلى ترك السلاح وكيف؟ وفي أي ظروف؟ فإن الحكومة التركية قد تتخذ مجموعة من الخطوات الشكلية والبسيطة للإيحاء بأنها جادة في العملية السلمية ومستعدة لتقديم تنازلات، ولعل من أهم هذه الخطوات الإفراج عن بعض الأسرى والمعتقلين من المرضى وتشكيل لجنة أو هيئة من البرلمان لمتابعة العملية السلمية والقيام بحملات إعلامية ضخمة من خلال توجيه وسائل الإعلام للتركيز على فؤائد السلام مع الإصرار على نزع السلاح الكوردستاني، وهو ما قد يفجر العملية السلمية، ويعود بالأمور إلى نقطة الصفر، إذ إن السلاح بالنسبة للكوردستاني قضية حساسة، بخاصة أنه يرى أن هذا السلاح هو الذي أجبر الدولة التركية على الدخول في العملية السلمية والتعامل معه ولو في شكل غير مباشر، وعليه لا يمكن تسليم رقبته إلى الدولة التركية من دون تحقيق السلام على الأرض، وبغير ذلك لن يسلم سلاحه، وهو في سبيل ذلك قد يشترط نزع سلاحه بمجموعه من الشروط الصعبة التي قد تنسف العملية السلمية، بخاصة أن ثمة صقوراً في قيادة الحزب يرفضون في الأساس ترك السلاح ويعتقدون أن ظروف وجود أوجلان في السجن هي التي أملت عليه الدعوة إلى تركه، وأن الحزب الذي قدم تضحيات كبيرة على مدار العقود الماضية في سبيل القضية القومية لن يتنازل هكذا من دون تنازلات كبيرة من الجانب التركي، بخاصة أن الظروف الجارية في المنطقة توحي بأنه هناك فرصة كبيرة أمام الكورد لتحقيق تطلعاتهم القومية، لاسيما في ظل الدعم الغربي لهم وتحول إقليم كوردستان العراق إلى مرجعية سياسية داعمة لحقوق الكورد في باقي دول المنطقة.

على المقلب الآخر، ترفض المعارضة التركية بشقيها العلماني (حزب الشعب الجمهوري) والقومي (حزب الحركة القومية) عملية السلام الجارية بين حكومة العدالة والتنمية وحزب العمال الكوردستاني وفق الصيغة المطروحة، ففي الوقت الذي يعتقد حزب الشعب الجمهوري المعارض بزعامة كليجدار أوغلو، أن هدف حزب العدالة والتنمية من العملية السلمية هو انتخابي بالدرجة الأولى وليس إيجاد حل سياسي حقيقي للقضية الكوردية، يعتبر حزب الحركة القومية أن عملية السلام مع الكوردستاني خيانة للقومية التركية ويفتح الباب أمام تقسيم تركيا، وعليه تشن أوساط الحزب حملة غير مسبوقة ضد أردوغان.

في مقابل هذه التعقيدات والعقبات، ثمة عوامل مشجعة للحل سلمياً، فالرجلان القويان أي أردوغان وأوجلان يريان أن عملية السلام أصبحت واقعاً لا يمكن القفز فوقه أو التراجع عنه، وكل طرف يرى في الآخر من موقعه القوي ضمانة لإزالة العقبات التي تعترض تحقيق السلام، وعليه ثمة من يرى أن الصقور في حزب العمال الكوردستاني لن يغامروا برفض دعوة زعيمهم إلى ترك السلاح، لأن ذلك قد يكون مدخلاً لانشقاق الحزب أو الانفصال عن زعيمهم التاريخي وربما بمثابة نهاية سياسية وحزبية للكثير من الأعضاء، كما أن دور إقليم كوردستان العراق واضح في هذا المجال، بخاصة أن الإقليم له علاقات جيدة مع أنقرة والكوردستاني معاً، وهو في الأساس طرف مشارك في هذه العملية منذ البداية، كما أنه عملياً لا خيار لحل القضية الكوردية في تركيا خارج عملية السلام، وربما هناك من يرى أن وجود حكومة حزب العدالة والتنمية في الحكم يشكل أفضل فرصة لتحقيق هذه العملية، نظراً إلى نفوذها القوي وقدرتها على اتخاذ الخطوات اللازمة والانتقال بالبلاد إلى مرحلة جديدة، بل ثمة من يرى أن تسوية القضية الكوردية في تركيا باتت أكثر من ملحة لصانع القرار التركي، لا لوقف مسيرة القتل والدم فحسب، بل لتحقيق رؤية تركيا المستقبل، فمن دون إيجاد حل لهذه القضية لا يمكن رجب طيب أردوغان تحقيق أهدافه في بناء تركيا جديدة يتطلع إليها مع حلول عام 2023، أي في المئوية الأولى لتأسيس الجمهورية التركية.

الحياة
Top