هل تدع الحرب في سوريا مجالا للسلام بين تركيا والكورد؟
فنفوذ أوجلان كصانع سلام وهو في محبسه الذي أودع فيه منذ 15 عاما يفوق نفوذه حين كان قائد تمرد كوردي سقط فيه 40 ألف قتيل.
لكن بينما يكشف الصراع السوري عن قوى داخل تركيا لا يملك الجانبان سيطرة كاملة عليها ربما يكون الوقت ينفد أمام أنقرة لصنع السلام مع الكورد.
وقال أوزگور اونلوهسارجيكلي من مكتب مؤسسة جيرمان مارشال فاند البحثية في أنقرة "عملية السلام مضطربة أصلا بدون كوباني. كوباني تقوض دعائمها أكثر. وإذا سقطت فقد يكون من الصعب التماسك."
وحتى الآن يبدي الطرفان التزاما بالسلام.
حث أوجلان السياسيين الموالين للكورد على محاولة تفادي المزيد من اراقة الدماء وابقاء عملية السلام التي أطلقها مع أنقرة قبل عامين في مسارها.
والتقى هؤلاء السياسيون بوزراء ووجهوا مناشدات هدأت العنف. وأكد بشير أتالاي نائب رئيس حزب العدالة والتنمية الحاكم أمس الخميس مجددا التزام الحكومة بعملية السلام وقال إنه يجري تداول "خارطة طريق" ووعد باتخاذ المزيد من الخطوات في الأيام المقبلة. ولا تزال كلمة أوجلان مسموعة لكثيرين من أنصاره الذين يدللونه باسم "أبو".
من "قاتل أطفال" إلى جد عطوف
يلتقي وفد من الحزب الشعبي الديمقراطي الموالي للكورد مطلع الأسبوع المقبل مع قادة حزب العمال الكوردستاني في جبال قنديل بإقليم كوردستان قبل محادثات مع أوجلان على جزيرة ايمرالي -حيث محبسه- يوم 21 أكتوبر تشرين الأول.
واستمرار ولاء حزب العمال الكوردستاني لأوجلان يعطي الحكومة سببا قويا لتقدير شخص دأبت الصحف التركية يوما على وصفه بأنه "قاتل أطفال".
وبعد القاء القبض على أوجلان في كينيا عام 1999 اعتاد الأتراك على صور يظهر فيها مشتتا معصوب العينين ومقيدا وحوله أفراد ملثمون من القوات الخاصة التي نقلته جوا إلى تركيا.
لكن أوجلان الذي لم ينقذه من حبل المشنقة سوى تغيير في القانون يظهر الآن في وسائل الاعلام التركية في صورة جد أشيب عطوف مبتسم في صور التقطت له في السجن ونشرتها الحكومة.
وبلغ الأمر ببعض الدوائر الموالية للحكومة في تركيا إلى حد تصوير الاضطرابات التي اندلعت الأسبوع الماضي بسبب مدينة كوباني والتي قتل فيها العشرات على أنها جزء من مخطط لتقويض دور مفاوض بارع في عملية صنع السلام.
وكتب رسيم اوزان كوتاهيالي مقالا في صحيفة صباح قال فيه "من أهداف سلسلة الارهاب والعنف هذه انهاء عملية السلام وترك عبد الله أوجلان يتعفن في السجن للأبد وإخراجه فعليا من الحياة السياسية."
وطرح أحد الصحفيين الكبار الموالين للحكومة هذا الأسبوع فكرة نقل أوجلان من ايمرالي قائلا إن تركيا يجب أن "تبحث أمره".
وباعلانه وقف اطلاق النار في مارس اذار من العام الماضي واصدار اوامره بانسحاب قواته إلى قواعدها في جبال إقليم كوردستان ربما أحس أوجلان أن السلام هو فرصته المثلى للخروج من السجن. وكان للرئيس التركي رجب طيب إردوغان دور كبير أيضا في العملية.
وتوقف حزب العمال الكوردستاني بقيادة أوجلان عن المطالبة بانفصال كامل لطالما حارب من أجله لكن اردوغان اضطر إلى مواجهة الكثير من المشاعر العدائية القومية للدفع حتى بمجرد اصلاحات ثقافية ولغوية تبعد كثيرا عن مستوى الحكم الذاتي المحدود الذي يطالب به الآن كثيرون من الكورد.
"مثل تجرع السم"
شبه بولنت ارينچ نائب رئيس الوزراء التركي عملية السلام "بالإمساك بالنار".
وقال "ألقينا بأنفسنا في هذا العمل الصعب... إنه مثل تجرع السم أو ربما مثل ضياع القوة."
وسيكون مردود السلام -إذا تحقق- هو تحقيق نمو في منطقة حرمها صراع ممتد منذ ثلاثة عقود من الاستثمارات في وقت تجد فيه تركيا صعوبات في إيجاد قوة دفع اقتصادية.
لكن الحرب في سوريا جعلت السم بالنسبة للطرفين أكثر فتكا.
ويقول كثيرون في أنقرة إن اثارة استياء الكورد على المدى القصير عن طريق رفض ارسال قوات تركية عبر الحدود السورية لمساعدة أبناء عرقهم هو ثمن يستحق الأمر دفعه لتفادي جر تركيا إلى الصراع المعقد في سوريا.
كما أن وحدات حماية الشعب الكوردية التي تدافع عن كوباني في مواجهة مسلحي داعش تربطها صلات قوية بحزب العمال الكوردستاني. وهذا بالنسبة لكثيرين في الحكومة التركية يجعل من المستحيل السماح بوصول أسلحة حتى من أنحاء أخرى في سوريا إلى وحدات حماية الشعب عبر الأراضي التركية.
ومن شبه المؤكد أن يثور غضب كورد تركيا لتعليق حكومي قال إن البلاد لا تفرق بين وحدات حماية الشعب وداعش الذي ارتكب مذابح وعمليات قتل أسفرت عن فرار 200 ألف سوري كوردي إلى تركيا.
وفي الوقت نفسه يستشعر كثيرون في حزب العمال الكوردستاني أن تعاطف الغرب مع محنة كورد سوريا قد تحسن صورة الحزب في العالم وتعزز موقفه أمام أنقرة.
وفشلت دعوة أوجلان للهدوء في اقناع بعض المقاتلين فهاجموا وقتلوا ضباط شرطة في اقليم بنگول كما اشتبك متمردو حزب العمال الكوردستاني مع قوات تركية على الحدود العراقية. وأفادت أنباء بأن الحكومة ردت بأول غارات جوية لها منذ بدء محادثات السلام.
هل يتداعى النفوذ؟
يقول منتقدو أوجلان من الكورد إن انسحاب مقاتلي حزب العمال الكوردستاني منذ أن أعلن عن وقف اطلاق النار لم يسفر عن أي تنازلات ملموسة أو حتى مفاوضات جدية من جانب الحكومة.
وقال سنان اولجن رئيس مركز الدراسات الاقتصادية ودراسات السياسة الخارجية في اسطنبول "الدور التاريخي الذي لعبه أوجلان ما زال يعطيه قدرا كبيرا من النفوذ لكنه آخذ في التداعي."
وقد يزداد استياء فصائل شابة متشددة داخل حزب العمال الكوردستاني من نفوذ لا يزال يتمتع به رجل عجوز يقبع خلف القضبان منذ سنوات طوال.
وأوضح جميل باييك أكبر قيادي لحزب العمال الكوردستاني في المنفى بجبال قنديل بلغة لا تدع مجالا للشك هذا الأسبوع أنه يحمل حزب العدالة والتنمية الحاكم المسؤولية عن كوباني وعن الاضطرابات في جنوب شرق تركيا.
وقال للتلفزيون الألماني "حذرنا تركيا. إذا مضت في طريقها فإن مقاتلينا سيستأنفون حربنا الدفاعية لحماية شعبنا." وأضاف أن بعض المقاتلين الكورد الذين انسحبوا من تركيا العام الماضي عادوا إليها.
ومجازفة حزب العمال الكوردستاني بفتح جبهة قتال جديدة واثارة استياء القوى الغربية عن طريق احياء صراعه مع تركيا في الوقت الحالي قد يكون موضع شك لكن التركيز ينصب كثيرا على كوباني.
وبدا أن قصفا عنيفا شنته الطائرات الحربية لتحالف تقوده الولايات المتحدة هذا الأسبوع أوقف تقدم ارهابيي داعش مما يحمل أنباء سارة للمدافعين الكورد عن المدينة.
لكن إذا لم يتوافر المزيد من السلاح والذخيرة لمساعدة الكورد على الأرض سيطل مصير كوباني مجهولا وكذلك مصير عملية السلام.
وقال بيلجيج سائق السيارة الأجرة "إذا سقطت كوباني ستندلع حرب أهلية في تركيا.
"إذا سقطت كوباني فلن يتمكن أبو من السيطرة على الشارع. كلمة السلام تنطلق من أوجلان لكن الحرب تنطلق من قنديل."
