تقارير غربية تحذر من "سيطرة الجهاديين" على أجندات الشرق الأوسط
وتجمع مصادر أمنية ودوائر بحثية استراتيجية قريبة من مراكز القرار الأميركي في بيروت، على القول ان مذبحة تفجيرات العيد، وقبلها عمليات رمضان الدامية في العراق، التي أودت بحياة المئات، إضافة إلى انفلات الجماعات الأصولية الجهادية في رقعة شاسعة تمتد من أفغانستان إلى سوريا، تدشن مرحلة تاريخية جديدة وخطرة في الشرق الأوسط.
المصادر المعنية والدوائر ترسم الصورة التقريبية الآتية للمرحلة الجديدة
_ بروز الجماعات الجهادية الإرهابية كمستفيد أول من تفتيت بنية النظام الإقليمي العربي وتحوّل العديد من كياناته السياسية إلى "دول فاشلة" (العراق، سوريا، اليمن، ليبيا، لبنان، وربما مصر وتونس أيضا)، وهذا يحدث كسبب ونتيجة في آن لفشل الإسلام السياسي، بقيادة جماعات الإخوان المسلمين، في تحقيق انتقال سلس إلى الديمقراطية في دول الربيع العربي.-
-تحوّل هذه الجماعات من أطراف هامشية تنفّذ بعض العمليات الإرهابية المعزولة، إلى قوى سياسية فاعلة تشارك مباشرة في صنع قرار التيارات الرئيسة في مجتمعات الشرق الأوسط، هذا يحدث، على سبيل المثال، في العراق، حيث يجهد تنظيم القاعدة وباقي الحركات الجهادية لاستعادة المناطق السنّية الحاضنة عبر إدعاء مفاده أنها الذراع العسكري للمطالب السياسية في هذه المناطق؛ وفي سوريا التي تشهد صعوداً عسكرياً- شعبياً واسعاً لجبهة النصرة المتحالفة مع القاعدة.
- احتمال (وهنا الأهم) نجاح الجماعات المنبثقة من القاعدة، والتي كانت قد طغى عليها في الأونة الأخيرة الطابع المحلي، في خلق منظمة فيدرالية عالمية جديدة تحل مكان تنظيم القاعدة الأصلي الذي تفككت أواصره بعد مصرع أسامة بن لادن، بعدما عجز القيادي الذي يفتقر الى الكاريزما، أيمن الظواهري، عن سد الفراغ التنظيمي الذي تركه مؤسس القاعدة.
وتشير المصادر والدوائر الغربية إلى أن المؤشرات على هذا الاحتمال برزت بقوة مؤخراً من خلال تطورين بارزين أثنين
الأول، الاستراتيجية المشتركة الجديدة والناجحة التي طبَّقتها التنظيمات الجهادية وتمثّلت في الاجتياحات المذهلة للسجون في العراق وليبيا وباكستان، وفي العمليات الأمنية المشتركة في العراق وسوريا، والتي تشي بأن عنصر التنسيق بدأ يبرز بالفعل بين هذه التنظيمات.
والثاني، الاستنفار الأمني الأميركي الذي أدى إلى إغلاق مؤقت لـ21 سفارة، والذي كشف هو الآخر عن مستوى تنسيق من نوع جديد بين بقايا تنظيم القاعدة الأصلي في باكستان وفرعه "القاعدة في شبه الجزيرة العربية" الذي أسسه في العام 2007 ناصر الوحيشي (35 عاماً)، السكرتير السابق لأسامة بن لادن.
وتوضح المصادر أن هذا الاستنفار الذي لاسابق له منذ أحداث أيلول 2001، كان مؤشراً فاقعاً على الجهود الذي يبذلها قادة التنظيمات الإرهابية من وراء الكواليس في رقعة واسعة من العالم الإسلامي لإعادة بناء هيكلية تنظيمية موحّدة (أو على الأقل تنسيقية) بين عناصرهم وعملياتهم.
كيف يمكن لدول المنطقة وشعوبها الرد على هذا التطور الأمني- الاستراتيجي الكبير في المنطقة؟
الدوائر البحثية الاستراتيجية في بيروت ترد على هذا السؤال بالقول أنه يتعيّن أن يكون هناك ثلاثة ردود لا رد واحد:
الأول محلي، هو التصدي للعوامل الداخلية التي تشكِّل بيئة ملائمة لترعرع العمليات الأرهابية، وهذا يعني، في حالة العراق مثلاً، العمل على إبرام تسوية تاريخية تأسيسية جديدة بين مكونات المجتمع العراقي، تكون شاملة للجميع وتمهِّد للانتقال إلى ديمقراطية حقيقية تستند إلى دولة المواطنة.
والثاني إقليمي، هو منع أجهزة استخبارات الدول الإقليمية من استخدام بعض التنظيمات الإرهابية كأدوات في الصراع على النفوذ في المنطقة، وهذا يمكن أن يحدث إذا ما أدركت دول المنطقة أن تغذية هذه التنظيمات بالمال والسلاح والتلاعب بها، سينقلب في خاتمة المطاف عليها، وهذا بالتحديد ماحدث للنظام السوري الذي سهّل صعود التنظيمات الأصولية في العراق ويدفع الآن بعض فواتيرها الباهظة.
والثالث دولي، ويتمثّل في اعتراف إدارة أوباما بأن استراتيجيتها للتصدي للإرهاب، والتي استندت إلى عمليات القتل والاغتيال بطائرات من جون طيار(الدرون) بدل العمل على كسب قلوب وعقول المسلمين (كما كان الرئيس أوباما وعد، ولم يف بوعده، في خطابي اسطنبول والقاهرة)، من خلال مشاريع تنمية اقتصادية وسياسية وتعليمية كبرى تشارك فيها كل مجموعتي الثماني الكبار والعشرين.
وتحذِّر الدوائر البحثية بأنه ما لم تتحقق هذه الشروط الثلاثة، فستكون اليد العليا في المرحلة التاريخية في الشرق الأوسط الجديدة للإرهاب الأصولي على أنواعه، وستغرق المنطقة بأسرها في مذبحة لم تكن مذابح العيد المرعبة في العراق سوى عيّنة أولى عنها.
pna
