• Saturday, 27 June 2026
logo

زيباري: قوة العراق تقاس بقدراته الاقتصادية لا العسكرية

زيباري: قوة العراق تقاس بقدراته الاقتصادية لا العسكرية
فيما تقترب زيارة وفد كويتي رفيع المستوى، ومغادرة الأمين العام للأمم المتحدة العراق، بعد لقائه بكبار المسؤولين والقادة السياسيين الرئيسين، توجهت “الاتحاد” إلى هوشيار زيباري وزير الخارجية بمجموعة من الأسئلة بشأن ما توصلت له الجهود لإخراج العراق من تحت طائلة الفصل السابع. ومدى نجاح جهوده في إقامة علاقات متوازنة بين دول الجوار ودول الجامعة العربية وإلتزاماته الدولية، كذلك كانت هناك اسئلة عن طبيعة مهامه وزيراً لخارجية العراق. زيباري حرص على الإشارة في مستهل حديثه إلى امتناعه عن التصريحات الصحفية لتجنب اي لبس في ظل الظروف المعقدة، لكنه واصل الإجابة على اسئلة “الاتحاد” فكانت هذه المقابلة:

س. إلى اين وصلت جهودكم الكبيرة لإخراج العراق من تحت طائلة الفصل السابع؟

- هذه الجهود مستمرة، العراق عملياً خرج من احكام الفصل السابع وتخلص من عشرات القرارات الملزمة تحت هذا الفصل بشأن موضوع اسلحة الدمار الشامل ونزع السلاح وبرنامج النفط مقابل الغذاء والعديد من الإلتزامات الأخرى، ما تبقى هو ثلاثة قرارات اساسية لها علاقة بالعلاقة ما بين العراق والكويت: المفقودون والممتلكات الكويتية، وصيانة العلامات الحدودية ( القرار 833)، ودفع تعويضات الحرب بنسبة 5% من عوائد العراق النفطية. نحن حالياً في وزارة الخارجية نعمل حتى 17 من الشهر الحالي على جميع اعضاء مجلس الأمن بالتواصل مع الأمين العام للأمم المتحدة وامانتها، ومع الجانب الكويتي، من أجل نقل ملف المفقودين والممتلكات الكويتية من الفصل السابع إلى الفصل السادس. وقريباً جداً سنعمل على صيانة العلامات الحدودية مع الشقيقة الكويت، وإذا ما توفقنا في غلق ملف المفقودين والأسرى نكون قد اقتربنا من نهاية الشوط، نحن عملياً قريبون من الوصول إلى هدفنا، والجهود الدؤوبة مستمرة، وتحقيق اخراج العراق من تحت طائلة الفصل السابع يعزز ثقة العالم بالعراق دولة طبيعية عادت إلى موقعها الاعتيادي في الأسرة الدولية.



س. كيف ترون علاقات العراق المتوازنة مع دول الجوار وعضوية العراق في الجامعة العربية؟

- ليس هناك تعارض بين حرص العراق على علاقات متوازنة مع دول الجوار وبين عضوية العراق في الجامعة العربية والتزامته فيها. العراق حالياً رئيس مجلس الجامعة العربية، وهو يحرص في الوقت نفسه على علاقات جيدة مع إيران وتركيا، فالدولتان الكبيرتان مجاورتان لنا، وبيننا وبينهما مصالح متشابكة ومتنوعة، وبحسب قناعاتنا المنصوص عليها بالدستور والقوانين العراقية ورؤيتنا، ليس هناك اي تعارض او تصادم بين كل هذه العلاقات في الدائرتين العربية والجوار، والأصل العراق ينطلق في علاقاته مع الدول الأخرى وفقاً لمصالحه الوطنية، وهو سيد قراره وليست هناك اية دولة تملي عليه سياساته الخارجية أو تملي عليه شروط في كيفية بناء علاقاته الخارجية وتطويرها، ما يحكم تصرفاتنا في التعامل مع بقية العالم هو مصلحة الشعب العراقي وسيادة العراق.



س. كيف يستطيع هوشيار زيباري القيادي في التحالف الكوردستاني وعضو المكتب السياسي في الحزب الديمقراطي الكوردستاني الحفاظ على توازن خطابه الداخلي، في ظل التجاذبات التي تصل حداً ساخناً في احيان عديدة مع الأسف بين رئاستي الحكومتين الاتحادية والإقليم؟

- إنها مهمة صعبة وعسيرة جداً، وهي من اصعب المهام التي أواجهها، فمن جهة وزير الخارجية عضو في مجلس وزراء الحكومة الاتحادية يمثل العراق ككل، ويدافع عنها ويمثلها في كافة المحافل الدولية، من جهة اخرى “انت” عضو في تحالف سياسي، التحالف الكوردستاني، وشخصية حزبية وسياسية في الإقليم، لذلك أحرص على أن أوازن بين جميع هذه الإلتزامات الثابتة في ضميري وعقلي، بين هاتين المهمتين اللتين اخترت العمل من اجلهما بكل طاقاتي وقدراتي المتواضعة، ذلك من خلال حرصي على ان اكون جسراً للتواصل والتفاهم لمعالجة بعض العقد والمصاعب، احياناً تنجح جهودي واحياناً لا، لكن الأصل في نهجي هو ضرورة الحرص على التوازن بين التزاماتي وتغليب المصلحة العامة للعراقيين جميعاً على ما عداها، يجب أن اكون ممثلاً للعراق جميعه وليس جزءاً منه، وألا اكون ناطقاً باسم حزب معين، مع حرصي في الوقت نفسه على المصالح المشروعة للإقليم، ضمن هذا الإطار والفهم القائم على اني ممثل للعراقيين جميعاً، طبعاً ضمنهم الكورد، فأنا ممثل للجميع: كل المكونات بدون تحيز لأي طرف على حساب الأطراف الاخرى بدون تحيز أو تمييز. ومن هذا المنطلق نحن نتجنب الخوض او الوقوع في منزلق هذه المجادلات والتجاذبات والاستقطابات السياسية، ونبقى حريصين على أداء مهامنا عضواً في الحكومة الاتحادية، مع كامل الحرص على التزاماتنا السياسية في الإقليم.

التوازن الذي سألتاني عنه مهمة عسيرة جداً.

س. بحكم خبراتكم السياسية ونهجكم المتوازن الرصين الذي عرفتم به، ما هي نصيحتكم، وانتم رجل دولة، لبقية زملائكم السياسيين، لترسيخ السلم الأهلي وغذ السير في بناء الدولة المدنية الديمقراطية الاتحادية؟

- ترسيخ السلم الأهلي ومواصلة مسيرة بناء الدولة المدنية الديمقراطية الاتحادية له علاقة مباشرة بعملنا في تنفيذ السياسة الخارجية لدولة العراق وتمثيلها في المحافل الدولية، فما لم تكن الجبهة الداخلية قوية ومتفقة يصعب علينا العمل في المجال الدولي، وتكون له انعكاساته على علاقتنا الدولية بقدر ما نقترب من اهدافنا او نبتعد عنها (الدولة المدنية الديمقراطية الاتحادية)، لذلك يهمنا إلى حد كبير، انا شخصياً ووزارة الخارجية من الناحية المهنية والفنية ايضاً، أن يكون هناك سلم أهلي وتوافق مجسد لقيم النظام الديمقراطي وحاكمية الدستور وسيادة القانون، فالتشتت والخلافات السياسية حد التجاذب السلبي وليس الخلافات البناءة بشأن اختيار افضل السبل لبناء العراق المنشود في اطار علاقات ديمقراطية متماسكة، وليس انقساماً سياسياً حاداً في البلاد، ينعكس سلباً على اداء وزارة الخارجية ونشاط وزير الخارجية شخصياً. قناعتي الشخصية الراسخة التي التزمت بها واعمل بها هي: لا طريق غير الحوار البناء الجدي المسؤول الهادئ الملتزم بتوقيتات زمنية لحل الخلافات والإشكالات الداخلية.

الأسبوع المنصرم كنا في القاهرة، شارك العراق في مؤتمر كتابة الدساتير في دول الربيع العربي، وفيه طرحت أن العراق محظوظ اكثر من غيره فـ”له إطار دستوري قانوني بإمكانه معالجة الخلافات الداخلية”، وفي المؤتمر قلت لهم “نحن في العراق كتبنا دستوراً يبني الدولة وليس سلطة تبني دستوراً”، فالدستور نظم العلاقة وسبل حل المشاكل الداخلية ونظم العلاقة بين السلطات الاتحادية والمحافظات والإقليم وتوزيع السلطات واستقلاليتها وتوازنها،” سبب المشاكل القائمة حالياً في مصر أنهم اقاموا السلطتين التشريعية والتنفيذية اولاً، ثم يريدون وضع دستور لا يخلو من تأثير السلطة التنفيذية، الدرس الذي قدمناه من التجربة العراقية:الدستور اولاً، بعدها تقام السلطة التنفيذية، ما جرى في مصر هو عكس التجربة العراقية تماماً، أجروا انتخابات وشكلوا حكومة، ثم يريدون كتابة الدستور، وعندما يكتب الحاكم الدستور يحدث انشقاق في المجتمع كما نشهده في مصر حالياً، عندنا الشعب انتخب جمعية وطنية كتبت الدستور واجري استفتاء عليه، ثم بعدها جرت انتخابات بموجب الدستور وتم تشكيل الحكومة بالتالي.

ومن هذا استخلص نصيحتي انه “ليس هناك بديل عن الحوار الجاد المثمر وليس الحوار من اجل الحوار او التلاسن أو ترحيل المشاكل او تعليقها أو تجميدها، إنما التصدي للمشاكل الحقيقة التي تواجه البلد بشجاعة المعالجة من منطلقات وطنية وينبغي ان يبقى ثابتاً نصب اعين الجميع ان الدستور هو الضابط لعلاقة القوى السياسية والمجتمع فهو العقد الذي تقوم عليه الدولة والحزام الذي يجمعها بافضل طريقة، فلا بد من الرجوع إليه. وايضاً هذا واجبنا نحن السياسيين وما ينبغي العمل عليه دوماً: على كل الأطراف ألا تتخندق، أن تتسم بالمرونة والتنازل عن بعض مواقفها، فسنة الحياة المتحضرة الحوار، ويعني هذا التفاوض والتنازلات المتبادلة وصولاً إلى صياغة مشتركات، كذلك في حالة مواجهة قضايا يصعب حلها في الإمكان تجميدها وتغليب ما يوحد، ووضع آلية لمتابعتها فيما بعد.



س. بعد الحرب العالمية الثانية، اتجهت اليابان والمانيا إلى البناء، اليابان لديها جيش صغير، المانيا ايضاً، وهما لا يمتلكان اسلحة “هجومية شاملة”، العراق تاريخياً قبل تموز 58 وظف علاقاته الدولية لضمان امنه الإقليمي وسلامته، كيف تنظرون إلى قضية تسليح القوات المسلحة العراقية؟

- في الأصل كل دولة تحتاج إلى قدر من التسلح لأغراض الدفاع عن حدودها، فحتى دولة مثل سويسرا المعلنة دولياً محايدة لديها جيش وتسليحه متقدم، أن تسليح القوات المسلحة من مقومات السيادة الوطنية وبناء الدولة، ولا احد يعترض على ان يكون للعراق جيش قوي دفاعي، جيش ملتزم بالدستور في ان لا يتدخل في السياسة وألا يصطف مع اي طرف في الخلافات السياسية، لكن ينبغي علينا ايضاً إدراك ان قوة الدول لا تقاس بعدد الفرق والدبابات والطائرات وبقية المعدات العسكرية، إنما تقاس قوة الدول حالياً بقدراتها الاقتصادية برفاهية شعبها وتأثيرها في المجتمع الدولي: القوة الناعمة التي تمتلكها، في الإعلام والعلاقات مع الدول، مصداقية التعامل في الأسرة الدولية ومساعداتها المتنوعة للأخرين، وهذا ما ينبغي لنا ان نضعه في خططنا لبناء العراق الجديد. وينبغي ان يكون بناء القوة العسكرية العراقية في سبيل الخير وليس الشر، كما جرى سابقاً حيث كانت القوات العسكرية، رابع اكبر جيش في العالم وترسانة من الأسلحة التقليدية وغير التقليدية واسلحة الدمار الشامل، اداة خوض حروب عدوانية مع إيران وغزو الكويت والقمع الداخلي. نحن نريد العراق قوياً بجيشه وبناه الاقتصادية وتماسكه الداخلي ونفوذه الإقليمي والدولي، قوة تعمل من اجل خير العراقيين والمنطقة والإنسانية في ممارسات عملية وليس مجرد شعارات.



س. التجاذبات السياسية في تذبذب بين ساخنة وهادئة، هل هوشيار زيباري متفائل ام متشائم أم ماذا بشأن التوصل إلى حلول لأسباب الأزمة وليس ً ترقيعية؟

- في الأصل الخلافات موجودة، ومع الأسف تعمقت بسبب غياب عامل الثقة، الثقة تراجعت كثيراً بين اطراف العملية السياسية، حتى صار كل طرف يفسر تصرف الآخر دائماً سلبياً، وهناك نظرة سودواية للآخر، ومما زاد الطين بلة انعدام الحوار في اجواء من المصارحة والمكاشفة بين الفرقاء، مما جعل كل طرف يتشبث ويتخندق متمسكاً بمواقفه، ما ادى إلى إزدياد الإنقسام والشك، وهي ظاهرة بالتأكيد غير صحية. لدى رئيس الجمهورية السيد جلال طالباني مشروعا للحوار الوطني لمواجهة التحديات الآنية، وهو احد المخارج، لكن لا بد من عملية بناء الثقة بين قياداتنا، علماً ان يناء الثقة يحتاج إلى وقت، في ظل حقيقة ان الوقت ليس في صالح كل الأطراف، أكرر الوقت ليس في صالح الجميع، وهناك بوادر إيجابية بحل بعض الأزمات، مثل إزالة التوتر بين المركز بخصوص المناطق المتنازع عليها، حيث وصلت الأمور إلى تحشيد الجيوش. إن هذه الحالة تضعف ثقة العالم بالعراق ككل، بالحكومة الاتحادية والإقليم، بالنسبة للإستثمارات ودخول الشركات العالمية لتنفيذ المشاريع، حتى السوق الداخلية تتأثر بهذه التوترات، مما ينعكس على المواطن نفسه، الذي يكون ضحية لها.

وكلما كانت هناك حلول سريعة وآنية كلما برز الدور الإيجابي للقيادات في الوصول إلى الحلول، وليس في التفسير والتأويل، قيادات حريصة على الوصول للحول من خلال الوعي بأهمية التنازلات المتبادلة والحاجة لها في عملية سياسية اجتماعية، بفعل نهج وسطي يستوعب الجميع بقصد تجاوز الأزمات والمشاكل.
Top