• Monday, 16 February 2026
logo

الكورد السوريون يحاربون على جبهتين وقلقون من تطورات الأوضاع

الكورد السوريون يحاربون على جبهتين وقلقون من تطورات الأوضاع
ينظر الكثير من المتابعين للملف السوري بعين الحسد الى المناطق الكوردية التي بقيت هادئة قياسا الى المناطق الأخرى في سورية، بل يتهم بعضهم الكورد بانهم لا يعيرون اي اهتمام للثورة السورية.

قد يكون هذا الكلام صحيحا، للوهلة الأولى، غير ان التعمق في المشهد الكوردي السوري يضعنا امام حقيقة أخرى تقول ان الكورد السوريين يحاربون على جبهتين، فهم يسعون، أولا، الى انجاز تحول ديمقراطي في سوريا، وينشطون، ثانيا، لأجل ضمان حقوق الكورد دستوريا.

ورغم هذا الهدوء النسبي، فان الكورد السوريون لا يخفون قلقهم من المستقبل، وخشيتهم من تطورات الأوضاع في سوريا، خصوصا وأنهم ذاقوا مرارات الخيبة والمعاناة في تواريخ ماضية لا زالت محفوظة في ذاكرتهم.

وكانت مناطق الكورد السوريين الذين يتمركزون في المناطق السورية الشمالية المحاذية للحدود التركية، والممتدة من مدينة المالكية (ديريك) في اقصى شمال شرق سوريا وحتى مدينة عفرين (كرداغ) في الريف الشمالي لمدينة حلب (400 كم شمال العاصمة)، قد بقيت بمنأى عن الاضطرابات الأمنية والعمليات العسكرية التي شهدتها محافظات سورية أخرى مثل درعا في الجنوب، ودمشق وريفها، ومحافظتي حمص وحماة (وسط)، وادلب (شمال غرب)، وحلب، ودير الزور (شرق).

ورغم ان المدن ذات الغالبية الكوردية مثل المالكية والقامشلي وعامودا والدرباسية ورأس العين (سري كانيه) وعين العرب (كوباني) وعفرين وسواها قد شهدت بدورها مظاهرات مناوئة للنظام تطالب بالاعتراف بحقوق الكورد وبخصوصيتهم القومية، الا ان مناطقهم لم تشهد أية اضطرابات امنية أو عمليات عسكرية.

ويعزو المراقبون ذلك الى ان السلطات السورية ليست مستعدة لفتح جبهات جديدة، فهي تمارس سياسة "غض الطرف" بشأن الحراك الكوردي، كما ان المظاهرات في المناطق الكوردية خرجت بصورة سلمية، وسعى المسؤولون عن تنظيمها الى عدم المساس بمؤسسات الدولة وبالممتلكات العامة والخاصة.

وكان الرئيس السوري بشار الاسد اصدر في بداية الاحتجاجات في بلاده مرسوما منح بموجبه نحو نصف مليون كوردي الجنسية السورية.

وكان عدد من الكورد السوريين قد جردوا من جنسيتهم السورية أو حرموا منها نتيجة احصاء يصفه الكورد بـ "الجائر" جرى مطلع ستينات القرن الماضي، وتزايد عدد المحرومين من هذه الجنسية منذ ذلك التاريخ ليبلغ عددهم نحو نصف مليون عند صدور المرسوم الرئاسي العام الماضي والذي قضى بمنحهم الجنسية.

وتتفاوت التقديرات بشأن النسبة الحقيقية لعدد الكورد السوريين قياسا الى سكان سوريا، وسط غياب احصائية رسمية في هذا الصدد، إذ تتراوح هذه النسبة بين 10 الى 20 في المئة من اجمالي عدد سكان سوريا البالغ 23 مليون نسمة.

ويتفق الكورد السوريون على ضرورة الاعتراف بوجودهم وبخصوصيتهم القومية، لكن اشكال نشاطهم وتنظيماتهم وأحزابهم تتنوع وتتعدد، بيد أن جميعها تهدف الى الاعتراف بهم كشركاء في الوطن، وبان لهم لغتهم الخاصة وثقافتهم التي يجب أن تحترم دستوريا.

ويقول النشطاء الكورد ان سياسات حزب "البعث" الحاكم في البلاد منذ عام 1963 أنكرت عليهم تلك الحقوق، وتعاملت معهم كمواطنين "من الدرجة الثانية".

وكانت الاحزاب الكوردية السورية، وبإلهام من الحراك الثوري في سوريا، قد شكلت المجلس الوطني الكوردي السوري المؤلف من نحو 11 حزبا كورديا سوريا، للعمل الى جانب تيارات المعارضة السورية الأخرى، بينما اختار حزب الاتحاد الديمقراطي الكوردي الذي يرأسه صالح مسلم ان يعمل ضمن صفوف هيئة التنسيق السورية المعارضة التي تنشط في الداخل السوري، في حين آثرت المبادرة الوطنية للاكراد السوريين ان يكون مقربا من النظام حيث شارك رئيسها عمر اوسي في انتخابات مجلس الشعب في مايو الماضي وفاز بمقعد في البرلمان السوري.

ولوحظ ان ثمة تركيزا إعلاميا على المناطق الكوردية، في الآونة الأخيرة، إذ تسربت تقارير اعلامية افادت ان السلطات السورية سلمت عددا من المدن الكوردية الى حزب الاتحاد الديمقراطي الكوردي الذي ينظر اليه كامتداد لحزب العمال الكردستاني الذي يخوض حربا ضد الجيش التركي منذ ثمانينات القرن الماضي لانتزاع حقوق الكورد في تركيا والذين يقدر عددهم بنحو عشرين مليون.

والملاحظ ان الوجود الرسمي السوري قد انحسر عن بعض المدن والبلدات في الجزيرة السورية مثل المالكية وعامودا والدرباسية وسواها، وسط حضور بارز للرموز والأعلام الكوردية، وسعي الكورد الى تدبير امور مناطقهم عبر ادارة ذاتية من خلال تشكيل لجان الحماية الشعبية وافتتاح مقرات تحت اسم دار الشعب (مالا كه ل) لمتابعة هموم المواطنين الكورد، وتسيير شؤون حياتهم اليومية.

هذه التطورات دفعت انقرة الى التهديد بالتدخل في شمال سوريا لملاحقة عناصر حزب العمال الكوردستاني "إذا لزم الأمر"، غير ان التصريح التركي قوبل بتنديد كوردي سوري واسع.

وقال رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان "إن بلاده ستدخل الاراضي السورية، إذا ما تعرضت لأي هجوم من شمال سوريا".

واضاف اردوغان في مقابلة لإحدى القنوات الإخبارية المحلية، قبل ثلاثة ايام، "إن حكومته لن تبقى صامتة إزاء التحركات الكوردية التي تشهدها مناطق شمال سوريا، وأن لبلاده "الحق في اقتحام شمال سوريا إذا لزم الأمر".

ولا تخفي أنقرة قلقها من احتمال تقسيم سوريا وإنشاء إقليم كوردي مستقل شماليها على غرار إقليم كوردستان.

وانتقد الناشط السياسي الكوردي السوري عبد الكريم ساروخان التصريحات التركية، معتبرا ان هذه التصريحات "تنطوي على عداء واضح للكورد السوريين الذين يعملون من اجل نيل حقوقهم في دولة ديمقراطية منشودة".

واضاف ساروخان في تصريحات لـ PUKmedia ان "سياسة اردوغان قائمة على التهديد والوعيد، وهو يتباكى على الشعب السوري بينما يحرم على مواطنيه الكورد في تركيا أبسط حقوقهم"، لافتا الى ان "الكورد السوريين سيحاربون ضد أي تدخل تركي محتمل في المناطق الكوردية شمال سوريا".

وردا على سؤال حول الحاجة الى دخول الجيش السوري الحر المعارض الى المناطق الكوردية، أكد ساروخان "ان أبناء المنطقة يستطيعون حماية الأهالي وحماية الممتلكات العامة والخاصة"، معربا عن اعتقاده ان "دخول الجيش الحر الى المنطقة الكوردية سيزيد الوضع تعقيدا بدلا من ايجاد حلول".

واعرب المواطن الكوردي السوري سالار عن خشيته من تطورات الأوضاع على الساحة السورية، مشيرا الى ان "الهدوء الذي يسود المناطق الكوردية يثير القلق لدى الأهالي الذين يترقبون أمرا غامضا قد يكون كارثيا على المناطق الكوردية".

بدورها، قالت المواطنة الكوردية السورية شيرين ان "المناطق الكوردية بقيت بمنأى عن العمليات العسكرية والاشتباكات المسلحة والاضطرابات الأمنية"، مؤكدة أن ثمة "مخاوف من احتمال حدوث تطورات خطيرة في المناطق الكوردية وخصوصا في ضوء التهديدات التركية".

واعربت شيرين عن املها في ان "تهدأ الأوضاع في كل سوريا، وان تشهد البلاد عملية انتقال سياسي سلمي نحو نظام ديمقراطي متعدد ومتنوع يضمن لجميع السوريين بمن فيهم الكورد حقوقهم المشروعة، ومصالحهم".

من جانبه، انتقد الشاب الكردي السوري جوان اداء الأحزاب الكوردية السورية التي "لا تعطي الاهتمام المطلوب لحقيقة المخاطر المحدقة بالوضع الكوردي السوري"، داعيا مختلف الأحزاب الكوردية الى "التوحد والعمل تحت راية واحدة لأجل ايجاد حل سياسي سلمي للأزمة السورية تقود البلاد الى نظام ديمقراطي يكون فيه للكورد دور يتناسب مع حجم حضورهم".

وكان الفصيلين الكورديين الرئيسين في سوريا وهما مجلس الشعب لغرب كردستان (وهو أشبه ببرلمان شكل مؤخرا لإدارة المناطق الكوردية ذاتيا) والمجلس الوطني الكوردي السوري، شكلا قبل أقل من اسبوع "الهيئة الكردية العليا" بهدف توحيد كلمة الكورد

ودعت الهيئة في بيانها الى "ضرورة حماية السلم الأهلي في المناطق الكوردية بالتعاون مع شركائنا من العرب والسريان والكلدوآشوريين"، مؤكدة على أن "المطالبة بحقوق الكورد السوريين لا تشكل أي خطر على وحدة سوريا ولا تشكل تهديداً لشركائنا في الوطن".

واكد بيان الهيئة الذي تلقى PUKmedia نسخة منه على "سلمية الحراك الثوري في المناطق الكوردية درءاً للمخاطر الناجمة عن نزعة التسلح العشوائي".

يشار ان ان المزاج الكوردي العام في سوريا يميل الى الحل السياسي السلمي بعيدا عن سفك الدماء، وهذا ما يعبر عنه مظاهراتهم الاحتجاجية التي تعلن تضامنها مع اخوتهم السوريين في المناطق المضطربة، لكنها وفي نفس الوقت تسعى الى التهدئة والبحث عن حلول سياسية للأزمة السورية الناشبة منذ منتصف مارس العام الماضي.

وتعتبر القضية الكوردية من اعقد القضايا في منطقة الشرق الاوسط، فالكورد الذين يبلغ تعدادهم نحو 40 مليون نسمة محرومون، بهذا القدر أو ذاك، من حقوقهم القومية، وهم موزعون بين اربع دول هي تركيا وايران والعراق وسوريا.

وفي حين حصل الكورد في كوردستان العراق على حقوق واسعة، ولاسيما عقب سقوط نظام صدام حسين الاستبدادي في عام 2003 غير ان الكورد في الأجزاء الأخرى لا يزالون يناضلون من أجل تحقيق ما وصل اليه اشقاؤهم في كوردستان العراق، وإن بصيغ سياسية مختلفة عن التجرية الكوردية في العراق.



PUK
Top