• Friday, 13 February 2026
logo

كرد أوروبا.. سعي للاندماج يقابله اعتزاز قومي وتشبث بالجذور

كرد أوروبا.. سعي للاندماج يقابله اعتزاز قومي وتشبث بالجذور
تسعى الهولندية ياشكا (27 سنة) إلى تعلم الدبكة الكردية، بعدما تزوجت من الشاب الكردي العراقي المقيم في هولندا كاروان محمد.

koerdومن وجهة نظر ياشيكا فان من المفترض ان يتعلم كاروان العادات والتقاليد الغربية، وليس العكس، لكنه "عنيد" و"متطرف"، كما تصفه ياشكا، بكلمات ممزوجة بالمداعبة.

وفي كثير من المواقف التي يبدو فيها انصهار الثقافات في أوربا تظهر ثقوب في جدار ذلك الاندماج ، وهي ثقوب توسّع من رقعتها العادات والتقاليد التي تميز ثقافة عن الأخرى.

لكن ما يميز بعض المهاجرين بحسب ياشكا، هو التشبت بالجذور، ومن وجهة نظرها، فان الكرد هم الأكثر التزاما بالهوية الأم.

ورغم أن الكرد يتشابهون مع الكثير من مجتمعات العالم في الاعتزاز بالهوية القومية، إلا أن ما يميزهم هو حذرهم الشديد من تذويب ثقافتهم تحت أي مسمى.

ويُرجع الباحث في تاريخ شعوب الشرق الاوسط احمد ريباز وهو هولندي من أصول كردية، الاعتزاز القومي الكردي إلى الاضطهاد والقهر الذي تعرض له الكرد عبر التاريخ.

ويقول ريباز لوكالة كردستان للأنباء (آكانيوز) إن أكثر الشعوب التي تعرضت للاضطهاد عبر التاريخ من وجهة نظر أوربيين، هم الكرد واليهود.

ويضيف "حين شاركت قبل أعوام في مهرجان ثقافي كردي شارك فيه نحو أربعين الف كردي في غيلسنكيرشن غرب ألمانيا، فوجئت بقدرة هذا الشعب على تأكيد هويته وسط صراع ثقافات مرير في أوربا والشرق الاوسط".

ويتابع بالقول "وربما لهذا السبب هناك تشبث بالاحتفالات القومية التي يحرص كرد المهجر على تنظيمها، أكثر من أي شعب آخر".

وترتدي ريفان الزي الكردي المثير للاهتمام في أوروبا بسبب ألوانه الزاهية وطريقة تصميمه المتميزة، وتقول إنها على رغم مضي 30 عاما على وجودها في المهجر إلا أنها تمتلك خمس بدلات صُمّمت جميعها في كردستان في العراق عدا واحدة اشترتها من ألمانيا من متجر خاص لبيع الإكسسوارات والملابس الكردية.

غير أن الكرد مثل بقية الشعوب الأخرى يواجهون تحديات الاندماج، ولان الأكثرية من الكرد مسلمة فان قضايا من مثل الحجاب ونحر الماشية أو طقوس الدفن الإسلامية تمثل تحديات كبرى بالنسبة لهم أيضا.

وتروي العراقية المقيمة في بلجيكا، أسماء المحسن قصتها مع الاندماج مع المجتمع والذي حال دونه الحجاب، فمازال المنديل الذي يغطي الرأس يقيم حدودا بين الثقافات التي تبدو متآلفة في الظاهر لكنها تتصارع خلف الكواليس.

وبدت الصراعات السياسية والقومية في أوروبا انعكاسا لصراع الشعوب في وطنها، ومن ذلك فرص الاندماج بين الكرد والأتراك، حيث يرى الباحث الاجتماعي الكردي عصام بختيار ان هناك "تربصا" متبادلا واضحا بين الثقافتين الكردية والتركية في أوروبا.

ويتابع بختيار في حديثه لوكالة كردستان للأنباء (آكانيوز) "ثمة حساسية كردية تجاه الأجندة الثقافية واللغوية التركية، وحين يحاول الأتراك لعب دور الغالب أو المهيمن على القوميات الأخرى، يجابَه بقوة ورفض كرديين".

ويتابع "بسبب ذلك يحرص كرد هولندا على فعاليات ثقافية واجتماعية خاصة بهم بعيدا عن محاولات الهيمنة الهولندية أو التركية أو العربية".

لكن بختيار يشير إلى ان الخصوصية الثقافية لن تكون عائقا أمام الاندماج المجتمعي لكنها تقاوم محاولات "التذويب" الثقافي.

وفي أوروبا حيث تتعدد الأديان والثقافات، وسط حضارة غربية مهيمنة تسعى إلى تفكيك وابتلاع ثقافة الأقليات، يسعى البعض إلى معادلة دقيقة التوازن.

ويروي علي كيف ان ثقافة الأكل الكردية تُختزل في البيوت فقط أمام ثقافة أوروبية وتركية مهيمنة على السوق، ولهذا السبب يصبح الحرص على الهوية الثقافية لدى الكرد أمرا لابد منه حتى في أدق التفاصيل.

وحين قدمت رواء احمد (20 سنة) من بغداد العام 2003، كانت ترتدي زيا محافظا يتضمن الحجاب لكنها وجدت ان سوق العمل والتعليم يتطلب منها التضحية ببعض خصوصيات هويتها القومية، فاضطرت إلى نزع الحجاب وارتداء بنطال الجينز.

وعلى عكس رواء فان ثمة فتيات في إصرار مستمر على الحفاظ على أدق تفاصيل الهوية الثقافية فيما يتعلق بالأكل والملبس وغير ذلك.

لكن آلان الهولندية الكردية الأصل تشعر بأنها ذات جذور كردية، لكنها لن تستطيع ان تقول ان "أغصانها" كذلك.

وتتابع حديثها لـ (آكانيوز) "قدري ان أعيش هنا، فلم أزر كردستان إلا مرة واحدة، وشعرت في أكثر من مناسبة أني فقدت بعض خصائص هويتي".

وتسترسل آلان "استطيع الرقص الكردي وانجذب للاغاني الكردية لكني في ذات الوقت اطرب على الأغاني الغربية وأتفاعل معها بصورة أكثر".

لكن المهندس كريم حسين الذي يقيم في هولندا منذ نحو عقدين حيث قدم إليها لاجئا سياسيا، يرى ان أوروبا متسامحة، وليس هناك تجريد قسري للدين والثقافة القومية أو الدينية، لكن ما يحصل ان ثقافة الأكثرية هنا هي الغالبة وتسود بصور تلقائية على ثقافة الأقليات الأخرى.

ويشير الباحث الهولندي فان در روك الذي زار إقليم كردستان العام 2009 و العام 2011، إلى ان الكرد على رغم انفتاحهم الثقافي على الشعوب الأخرى وقدرتهم على الاندماج فأنهم "يتحسسون" لمحاولات تذويب ثقافاتهم، بسبب الاضطهاد الذي لاقوه عبر التاريخ من الشعوب والقوميات المجاورة في العراق وسوريا وإيران تركيا.

ويذهب روك إلى ان للكرد تاريخا حديثا في أوربا وكان الأوربيون لا يميزون إلى وقت قريب بين ما هو كردي أو تركي أو عربي، لأسباب سياسية وإعلامية ومعرفية، أما اليوم فان الهوية الكردية تتجسد لدى الأوربي، عبر شعب له جذوره التاريخية ووطنه وثقافته.

ويتابع أن الالتباس الحاصل سببه الأتراك الذين قدموا إلى أوروبا منذ زمن طويل قبل العرب والكرد، حيث ضمنوا في خطابهم الأوربي ان الكرد هم "أتراك جبال" وليسوا شعبا له هويته الخاصة، وكان جل الأوروبيين يعتقدون إلى وقت قريب ان الأمر هكذا.

ويضيف أن أقلية أوروبية مازلت تتبنى هذه الفكرة بسبب التضليل الإعلامي المتعمد أو غير المقصود في بعض الأحيان.
Top