لا شكر لأميركا
المستقبل واحد من أمرين، الحرب الداخلية ثم الانقسام، أو العودة إلى النظام الدكتاتوري. وأرى أن الانقسام مستبعد حدوثه، لكن لا أسهل من عودة الدكتاتورية. الطائفة الشيعية هي الأغلبية في هذا البلد ويمكنها بلوغ سدة الحكم سواء من خلال صناديق الانتخابات أو من خلال القتال، ووجود الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى جوارها يدعم ذلك، ليس هذا فحسب، بل إنّ إيران ومنذ قيام الصفويين تعتبر بغداد جزءاً من أراضيها.
والدول العربية لا تمانع في هذا. ففي هذه الأوضاع العراقية القلقة، لا نسمع من قطر (ولي أمر العرب) صوتا، في حين أنها تصيح وتصرخ فيما يخص تغيير النظام السوري لدرجة أنها لا تحتمل الانتظار إلى الغد. والسبب واضح، فسوريا بخلاف العراق، ذات غالبية سنية يحكمها منذ عقود نظام علوي قريب إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهذا بعكس ما هو حاصل في العراق تماما. وما تنتظره البلدان اليوم يشبه نوعا من "تبادل المواقع". ومما يمهد السبيل أمام تبادل المواقع هذا أن العراق يجاور إيران بينما سوريا ليست كذلك.
باختصار، فإن المنطقة العربية بعد الربيع العربي تسير نحو تقسيم جديد سيؤدي بها إلى انفجار حرب مذهبية. ففي غالبية الدول التي شهدت انتفاضات، بلغ الإسلام السياسي "السني" السلطة ويكاد يبلغها في البقية. والذي زاد في سخرية المهزلة تدخل تركيا في القضايا العربية، مما يظهر الوضع وكأنه تذكير بالصراع الصفوي – العثماني قبل خمسمائة عام.
يا لبؤس الشعوب العربية والاسلامية، لقد بات الوضع يشبه المثل الشعبي القائل "عرب وين وطنبورة وين". قبل سنوات تعرض برلماني كويتي شيعي في لندن إلى ذكر "عائشة" بسوء، فجاء الرد من بلاد الغرب العربي بحملة تسمية البنات الوليدات باسم "عائشة". يجري هذا في عصر يعود فيه الاستعمار إلى المنطقة في ثوب جديد، بحيث لا تلمس "لهذا المستعمر" وجودا ماديا لتقف في مواجهته. سيعود هذه المرة عن طريق بيعنا التقنيات الحديثة وأسلحة الغرب، فقد دمروا كل ما يملك العراق من سلاح ووسائل دفاع، وفعلوا الشيء نفسه في ليبيا، ولا شك أن ذلك سيحصل في سوريا أيضا. أليس غريبا أن تدمر جيوش ثلاث دول كان تسليحها روسيا لدرجة تقتضي إعادة بنائها من جديد. لماذا لم يحدث الشيء نفسه في تونس ومصر واليمن؟ أو لماذا يقف الروس موقف المعارض في حالتي ليبيا وسوريا فقط إن لم يكن بدافع من بيع السلاح ومعدات الحرب.
ويا لسذاجة مكونات شعب العراق، كان عليكم أن تتشبثوا بتلابيب أميركا ولا تدعوها ترحل وتترككم عند مفترق طرق مجهولة. لكنكم فعلتم العكس فقد دفعتموها للرحيل دفعا، وحاربتم جيشها "عدة سنوات" في حين كان من واجبه أن يحمينا إلى أن نصبح دولة ذات قوة دفاعية. فأين نحن اليوم من مواجهة خطر إيران وتركيا؟ لو تابعت القنوات التلفزيونية الشيعية والسنية العراقية، لجفلت لهذه الماكنة اللامسؤولة في هذه الظروف الحرجة. فأين أنتم من أميركا؟.
وما هو موقع الكرد هنا؟ يقول الشعر الكردي "بين حجري رحى الروم (يقصد الأتراك) والعجم (يقصد الفرس)". القضية الكردية قضية قومية منذ عشرات السنين، فنحن لا نعاني مشكلة دينية في العراق لأننا مسلمون كغالبية العراقيين. ولم نكن نعاني مشكلة مذهبية لأن السلطة في العراق كانت في يد السنة. حتى أن كرد العراقيين لا يعرفون ماذا ينبغي أن يقولوا بخصوص الصراع بين الشيعة والسنة. وهناك المزيد. تلقت الانتفاضات الكردية الحديثة الدعم من دولتين جارتين هما سوريا (منذ 1975) وإيران (منذ 1979) والدولتان مختلفتان مع الكرد مذهبيا. في التخندق الجديد للمنطقة العربية الإسلامية، أي في الصراع بين الشيعة والسنة، والذي بدأ محموما من مراكش وحتى بيشاور، في أي جانب سيقع الكرد؟ ومن نحن شيعة أم سنة؟ لا شك أننا لسنا أيا منهما أو أننا كلاهما.
مع بدء الأزمة السورية وبدء الانتفاضة فيها وصلت المشاكل إلى الديار الكردية. مشاكل صغيرة قد نشعر بها أو لا نشعر. القيادة الكردية في بغداد انحازت إلى جانب النظام السوري ولا شك أن ذلك كان تلبية لطلب إيران، وعلى النقيض من ذلك في أربيل حيث العلاقات أوثق مع تركيا. وإن كان هذا إلى اليوم تبادل أدوار بين الساسة الكرد، فإنه يبشر بالتحول غدا إلى شرخ "بين حجري رحى الروم والعجم".
كان ممكنا أن يلعب الكرد دورا أفضل في العراق الجديد، لا الاكتفاء بدور المراقب فقط. كان الشعار الذهبي الكردي في مضمار السياسة ومنذ زمن بعيد "الديمقراطية للعراق، وشيء ما للكرد". صحيح أن كرد العراق يميلون اليوم إلى الانفصال، لكن الانفصال أيضا لا يمكن تحقيقه بدون نظام ديمقراطي للعراق. وهذا لا يعني أننا غير مسؤولين "بالمرة" عن انفجار الوضع الطائفي في العراق، كما أننا لن نخرج منها دون خسائر.
لكن الأوان لم يفت بعد، فالقيادة الكردية تدير الأمور بدراية وكفاءة أكبر مما يفعل الشيعة والسنة في العراق، كما أنها أكثر وطنية ومسؤولية "على ما أرى" لأنها أقل ارتباطا بالخارج من أولئك. من الممكن أن يلعب الكرد دورا أكثر فعالية من الحالي ويصبحوا سدا مانعا في وجه انفجار يؤدي إلى قتل أبناء العراق وتدميرهم. إن سعادة العراقيين تنعكس علينا نحن الكرد، لا كما يقول المثل "مصائب قوم عند قوم فوائد".
"لا شكر لأميركا"، هذا شعور ينتاب كل العراقيين اليوم في قرارة أنفسهم، ويمكن أن يحل محله غدا "الشكر للكرد".
