المهنية ثانية
_جريدة الاتحاد
معاناة العراقيين عبرت عنها العديد من الأمثلة الشعبية، ومنها المثل الشعبي القائل”اراد تطبيبها فعماها”، أو“كانت بواحدة فصارت بأثنين”، أو“من يعرف يعرف ومن لا يعرف يقول قبضة عدس”.
هذه الأمثلة تتعرض للضرر الكبير الذي يلحق بالاخرين حينما لا يتم تناول الأمر بالشكل الصحيح، وقضية أمر القاء القبض أواستدعاء قاضي التحقيق للنائب صباح الساعدي ومطالبة رئاسة مجلس النواب باسقاط الحصانة النيابية عنه بناء على دعوى رئيس الوزراء، موضوع جاء ليكرس “نجومية” الساعدي الحريص على الأضواء.
وقد أخطأ النائب الذي تبرع بعقد مؤتمر صحفي لـ”يبشر” وسائل الإعلام بوصول مذكرة استدعاء الساعدي للتحقيق وطلب رفع الحصانة عنه، والنائب نفسه مع الأسف في محاولته تطبيب تصرفه الأول “عماها”، عندما صرح بأن “في وسع رئيس الوزراء اعتقال النائب صباح الساعدي، لكنه فضل الشكوى عليه كأي مواطن،”، وهوتصريح كان يمكن أن يمر مرور الكرام لو إننا في زمن الرئيس القائد، حيث كان من الممكن اعتقال أي شخص بدون أي اجراء قانوني، فهوالقانون كله، لا بل أنه الدولة كلها تماماً كما كان لويس الرابع عشر ومقولته الشهيرة”أنا الدولة والدولة أنا”، لكن رئيس الوزراء السيد نوري المالكي منتخب لولاية محددة في دولة دستورية تفصل بين السلطات، لذلك أدعى عند القضاء لمعرفته أن ليس من حقه ولا في حكم صلاحياته اعتقال أي مواطن، حتى بصفته قائداً عاماً للقوات المسلحة، فأمر الاعتقال ينبغي أن يصدر عن سلطة قضائية.
إن ما أدلى به نائب محسوب على دولة القانون، اساء لكتلته ولشعارها “دولة القانون”، فبموجب أي قانون تصور السيد النائب أن في وسع رئيس ا لوزراء اعتقال مواطن، فما بالك بنائب منتخب؟!!
إن غياب الحد الادنى من الادراك السياسي والوعي بالمهنية يكمن وراء مثل هذه التصريحات المتسرعة المسيئة لرئيس الوزراء ولكتلته ولحلفائه، كما أنها تغذي الحملة الإعلامية لمعارضيه. ومثل هذا التصرف ليس بغريب فيما نحن نعاني من تفسيرات قضائية تعوزها المهنية أيضاً، منها منح مجالس المحافظات صلاحيات تشريعية، في حين أن القانون حصر صلاحياتها بالمجال التنفيذي، أونقض قرار فك ارتباط الشؤون الاجتماعية عن وزارة العمل وربطها بالمحافظات، كذلك الأمر بالنسبة لمشروع حل وزارة البلديات بحكم وجود سلطات محلية في المحافظات والإقليم.
إن تدنٍ مأساوي للمهنية يخلط الحابل بالنابل ويظل البعض يظن أنها مجرد قبضة عدس، وليس غياب المنهجية أوالقدرة على الاقتراب منها، فيما الأصوات تتعالى في تبارٍ خطابي بحثاً عن النجومية وليس مصلحة المواطنين وحقوقهم وسلامتهم.
