• Friday, 13 February 2026
logo

شاهنامة الفردوسي والشاهنامة الكوردية

شاهنامة الفردوسي والشاهنامة الكوردية
طارق كاريزي

قبل اكثر من الف عام، ظهر الشاعر الفارسي الشهير الفردوسي ليدوّن ملحمته الشهيرة "شاه نامة: الشاهنامة". هذا المؤلف الذي خصصه الشاعر الفردوسي المولود في طوس شرق ايران الحالية لاحياء الامجاد الغابرة للايرانيين، كتبه نظما باللغة الفارسية. وتعرف الشاهنامة بملحمة الفرس الكبرى، حيث دوّن الفردوسي القصص والاساطير عن قدامى الابطال الايرانيين مازجا اياها بسير ملوك وشاهات ايران في مسعى مكشوف ومعلن من قبل الشاعر لاحياء الامجاد الايرانية ولاحياء احدى اللغات الايرانية المهمة (الفارسية) وانقاذها من الضياع والانصهار في بوتقة اللغة العربية بعد اكثر من قرنين من قدوم الفادحين العرب في القرن السابع للميلاد.
الابطال الاسطوريون الواردة اسماؤهم وسيرهم في الشاهنامة، بحسب الباحث نامق هورامي، قد ظهروا في غرب ايران الحالية، بين شعاب سلسلة جبال زاكروس الممتدة من جنوب القفقاس حتى التخوم الشرقية للخليج، وقد شغل هذه الجغرافية الكورد واسلافهم منذ آلاف السنين. وتابع الباحث هورامي، بأن مصدر هذه الاساطير الايرانية هم شعوب زاكروس القديمة وهم الاجداد القدمى للامة الكوردية، ويستند في رأيه هذا الى ان اسماء الاماكن التي ترد في هذه الاساطير مازالت كما هي في مناطق كوردستان غرب الهضبة الايرانية. بل ان الادب الشفاهي الكوردي بمختلف اصنافه هو الوحيد الذي يتداول القصص والاساطير عن هؤلاء الابطال الاسطوريين.
الشاهنامة التي دونها الفردوسي نظما اشار فيها الى انه اقتبس سير الابطال الاسطوريين فيها من زوجته التي هي من اصول مناطق غرب ايران (شرقي كوردستان الحالية)، هذه المعلومة التي يتم حذفها في الطبعات الحديثة للشاهنامة.
ويؤكد الباحث المتخصص في الاداب الكوردية القديمة نامق هورامي، بان تقصي رموز واماكن حركة ابطال ملاحم الشاهنامة بنسخها الكوردية ونسخة الفردوسي تظهر بجلاء بان موطن ظهور هذه الملاحم هي شعاب جبال زاكروس موطن الكورد منذ آلاف السنين، وقد بذل عدد من الكتاب والمؤلفين الفرس جهودا تحريفية كبيرة لتشويه هذا التراث الكوردي العتيد وتنسيبه للفرس بالتحديد.
من المهم الاشارة الى ان الادب الشفاهي الكوردي من قصص واساطير وملاحم وامثال، بل حتى الكلام الشعبي المتداول بين العامة من الناس فيه الكثير عن الابطال الاسطوريين او ابطال الملاحم الكوردية القديمة التي حرّفها الكتاب والمؤلفون الايرانيون (القوميون الفرس). وهناك الكثير من نصوص الشاهنامات الكوردية، كل منها مخصصة باحد الابطال الاسطوريين مثل رستم (روستمي زال، روستمي مازندران)، بارام وكولندام وغيرهم.
لعل الكلام الاقرب الى الحقيقة من الوجهة النظرية على الاقل، هو جذور الشراكة الكوردية- الفارسية في الحضارة والتراث الايرانيين، مع ان الاسبقية في الظهور على مسرح التأريخ تعود الى شعوب زاكروس (الاقوام الكوردستانية القديمة)، مثل الكوتيون، اللولوبيون، الكاشيون، الميتانيون، الهوريون، العيلاميون، لكن فترة ظهور الامبراطوريات الاربع (الميديون، الاخمينيون، الفرثيون، الساسانيون) والتي بدأت منذ القرن السابع قبل الميلاد واستمرت حتى القرن السابع للميلاد، نجد تراثا مشتركا بدأ بظهور الامبراطورية الميدية في غرب ايران (شرقي كوردستان) وحدث الانقلاب الذي قاده كورش الاخميني لينقل مركز السلطة الامبراطورية الى بلاد فارس بمحاذاة الخليج، هذه الفترة التي امتدت لمدة 14 قرنا شهدت فيه ظهور الامبراطوريات الاربعة وسقوطها وكذلك ظهور النبي زرادشت، هي فترة تراث ايراني خالص امتد من وسط آسيا حتى تخوم البحر المتوسط.
التراث الثقافي والروحي والحضاري خلال هذه الفترة التي سادت خلالها في غرب آسيا حضارة الشعوب الارية (الهندواوربية) والشعوب السامية وامم مازال الجدل مستمرا حول اصولها، تراث غني لا يمكن نسبته الى شعب دون آخر. مع هذا نلاحظ حالة من الاستحواذ والمصادرة يتم ممارسته بحق كامل التراث الثقافي والحضاري واللغوي ايضا للمنطقة، يتم خلالها تشويه حقائق التأريخ وفق الرؤى الايديولوجية للشعوب المتسيدة حاليا، حيث لا يتردد المؤلفون والكتاب القوميون المتعصبون من تشويه الحقائق، ولكون الكورد هم الامة الوحيدة بين الامم الكبرى الاربعة في الشرق الاوسط محرومة من السلطة والسيادة، لذلك تعرض تراث وثقافة وحضارة هذا الشعب للنهب المعلن والمصادرة المجحفة.
وفي هذا المنوال يعد تشويه الحقائق فيما يتعلق بالشاهنامة، شاهدا مضافا على ما اشرنا اليه اعلاه.


Top