الكورد في سوريا والتحرك المطلوب
وحدها الأطراف الكوردية تفتقر لمشروع موحّد تُخاطب به الجهات الدولية والإقليمية وتضعه على طاولتها. يبدو أنّ مجلس سوريا الديمقراطية يستكين إلى الاستسلام للحكومة السورية في حال انسحبت أمريكا وانتقلت تركيا من إطلاق التهديدات إلى البدء بتنفيذها، في حين ينهمك المجلس الوطني في تقديم أوراق اعتماده إلى تركيا في مسعى منه لتأمين موضع إصبع له في المنطقة في حال فشلت الحكومة السورية في العودة إلى المنطقة وأُطلِقَت يد تركيا دولياً فيها.
هل من خيارات أخرى أمام الأطراف الكردية؟
نعم، بالتأكيد. لكنّها تحتاج إلى إرادة لا تظهر دلائلها، أقلّه حتى الآن. يمكن للأطراف الكوردية أن تتحرّك وفق المسارات التالية:
السعي إلى تأمين مظلة حماية دولية:
رغم القرار الأمريكي بسحب القوات، ورغم البدء بعملية خفض عديد هذه القوات فعلياً، إلّا أنّ أمريكا، وبدرجة أكبر حلفاؤها الأوروبيون، لم يتخلّوا عن المنطقة حتى الآن، بل وهناك تعزيزات (تسليحية وتقنية) أمريكية في المنطقة تكفل الدفاع عنها. وعلى الأطراف الكوردية أن تلعب في هذا الوقت المتاح حتى الآن، لتحصل من القوى الدولية المساهمة في التحالف الدولي ضدّ الإرهاب على شبكة حماية للكورد والمكونات المتعايشة معهم من أي طرف يسعى إلى إنهاء الوضع الراهن في المنطقة بقصد إنهاء الدور الكوردي.
الاستثمار في الموقف الفرنسي المتميّز:
تنفرد فرنسا بوضوح موقفها الداعم للكورد في سوريا بخلق (حالة خاصّة) بهم في إطار الحفاظ على وحدة سوريا، وقد قامت فرنسا، منذ لحظة إعلان ترامب قرار سحب القوات، ولا تزال تقوم ببذل جهود دبلوماسية مكثّفة مع كلّ من واشنطن وموسكو في سبيل إقناعهما بحماية الكورد في سوريا ومنع أيّ تهديد يستهدفهم وكذلك العمل على ضمان حالة خاصّة بهم في إطار وحدة سوريا، والمطلوب من الأطراف الكوردية تكثيف الاتصالات والجهود مع فرنسا لتطوير موقفها هذا، وضمان استمراريته، لتكون فرنسا حليفة حقيقية للكورد تدافع عن حقوقهم المشروعة في إطار مشاريع حلّ الأزمة السورية الذي سيكون في النهاية حلّاً دولياً.
تحسين العلاقات مع روسيا:
إنّ النفوذ الروسي الكبير في سوريا يجعل من المستحيل إيجاد حلّ سياسي من دون أن يكون لروسيا دورٌ رئيسي فيه، واستعداء روسيا أو تجاهل دورها سيجعل من الصعب تمرير أيّ مكاسب أو حقوق للكورد في صيغة الحلّ النهائي في سوريا.
الانفتاح على تركيا:
أيّاً كانت مواقف ونوايا تركيا حيال قضية الشعب الكوردي في سوريا، تبقى هي الدولة المجاورة الأكثر تأثيراً في الوضع السوري والأكثر احتكاكاً بالملفّ الكوردي فيه، وبالتالي من الصعب تصوّر بناء حالة كوردية خاصّة في خاصرة تركيا من دون الانفتاح عليها والتحاور معها ومناقشة مخاوفها.
التمسّك بالانخراط في العملية السياسية:
ثمّة إجماعٌ دولي وإقليمي على حلّ الأزمة السورية في إطار عملية سياسية تستند، بشكلٍ رئيسي، على القرار الدولي /2254/ ، من صياغة دستور جديد لسوريا والخطوات الأخرى، وبالتالي، لا بدّ من تمسّك الأطراف الكوردية بالانخراط في هذه العملية السياسية بكلّ مفاصلها، إذ إنّ غياب الكورد عنها سيعني غيابهم عن الشراكة في سوريا ما بعد الحلّ، وفي هذا الإطار، ينبغي على الأطراف الكوردية ألا ترفض مبداً التفاوض لا مع الحكومة ولا مع المعارضة، في إطار عملية المفاوضات الشاملة للحلّ.
الانتقال من الانقسام إلى التشارك:
إنّ تحقيق النجاح في التحرّك على كلّ المسارات السابقة يشترط على الأطراف الكوردية الانتقال من الانقسام على محورين إلى التشارك في مشروعٍ وطنيٍّ كورديٍّ جامع. إنّ مراهنة الإدارة القائمة على خياراتها المنفردة في التعامل مع الوضع المستجدّ في المنطقة، سواءً كان خيار الاصطدام مع تركيا أو التفاهم مع الحكومة السورية، هي مراهنة محفوفة بمخاطر جسيمة، كما أنّ مراهنة المجلس الوطني الكوردي على طرح نفسه بديلاً للإدارة القائمة، هي مراهنة واهمة وستؤدّي إلى نتائج كارثية. لا بدّ للطرفين من العودة إلى طاولة واحدة برعاية كوردستانية ودولية للاتفاق على مشروعٍ وطني يقوم على القبول بإقامة إدارة جديدة مشتركة مؤقّتة تدير المنطقة وتحميها وتسيّر أمور وشؤون الناس فيها وتمثّلهم في العملية السياسية السورية الشاملة التي تُفضي إلى حلٍّ نهائيٍّ شامل يكون وضع المناطق الكوردية جزءاً منه.
روداو
