• Tuesday, 03 February 2026
logo

بالإستفتاء ندخل التاريخ

 بالإستفتاء ندخل التاريخ
عبدالله جعفر كوفلي*

التاريخ يعني سجل الأحداث و المواقف التي مر عليه الزمن، أي أنها وقعت في الماضي سواء القريب أو البعيد منها، وأنها تشكل إرثاً للأمم يفتخر بها الأجيال، ويأخذون منها الدروس والعبر، ويجعلون منها مواد و مواضيع للدراسة، والابحاث، والتحقيقات، وأن الأهم منها هو كتابتها أو توثيقها بمعناه الواسع، لأن التوثيق أشمل من الكتابة، فان التاريخ يمكن أن يوثق بالأثار، والاختام، والهياكل، والكتابة ايضاً، وان الشيء الذي يربط الماضي بالحاضر لكل الامم والحضارات على وجه البسيطة هو التوثيق، فلولاها لما عرفنا من التاريخ إلا اليسير، وان مابقي من الحضارات القديمة من الاثار، والمخطوفات، والكتابات المختلفة، تدلنا بوضوح إلى طبيعة حياتهم، وكيفية ادارة شؤونهم ومستوى تعليمهم وعاداتهم وطرق التفاهم فيما بينهم في السلم و الحرب.

ومن المبادئ المعمول بها في الحياة ولأهمية التوثيق ينص على ان الحدث غير المكتوب (الموثق) كأنه لم يكن، واستناداً الى ذلك، فان الامم والدول تولي توثيق احداث اليوم اهمية قصوى، لانه سيكون تاريخ يفتخر بها القادم من الاجيال، وان الاهتمام بالمتاحف، و المناطق الاثرية تأتي في هذا السياق، فعلى سبيل المثال ان امريكا دونت اسماء جميع جنودها الذين قتلوا في حربها في فيتنام على نصب تذكاري وسط حديقة عامة، وكذلك أسست متحفاً خاصاً لبقايا احداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، ونجد ان جميع الدول تهتم بتاريجها وتراثها.

نحن الكوردستانيون، ونتيجة للظروف السياسية، والعسكرية التي مرت بها المنطقة، وأطماع الدول العظمى في أرضنا، ومياهنا، وموقعنا الجغرافي، لم تسنح الفرصة لنا ان نوثق تاريخنا ونكتبه، بل كتبه الغرباء والمحتلون إعتماداً على ضمائرهم سواء بالحقد، والكراهية أم بالحب والعاطفة، وقليلاً منهم على حياد ودونوا الاحداث كما هي دون زيادة، أو نقصان.

وهذا مايدفعنا الى تأنيب من سبقونا إلا بعدد اصابع اليد من كتبوا التاريخ وحملوا لواء الصدق والاخلاص في نقل الاحداث.

اليوم علينا واجب توثيق تاريخنا، وقد أتخذ خطوات كبيرة في هذا المجال، ولكننا مطالبون بالمزيد من الجهد والتنقيب، لنكون محل أعجاب الاحفاد ولا يشعرون بالنقص أمام غيرهم .

اننا كشعب كوردستان، امام حدث تاريخي غير مسبوق ولا مدون في بطون كتب التاريخ، ألا وهو القرار الجريء والحكيم الذي اتخذته القيادة السياسية في الاقليم المتمثلة بالسيد (مسعود بارزاني/ رئيس الاقليم) والاحزاب والقوى السياسية المتعددة في ايديولوجياتها، وتوجهاتها، وقومياتها، باجراء الاستفتاء في 25/9/2017 ويقرر الشعب الكوردستاني مصيره بمحض ارادته، وبحرية تامة يختار الشكل الذي يناسبه في ادارة حياته ونمط عيشه، هذا القرار الذي ضحى من اجلها الالاف وسالت انهاراً من الدماء والدموع في سبيلها، فلا زالت اصوات المدافع، وسلاسل الدبابات، وبكاء الاطفال، وصراخ الامهات تملئ الآذان، والوديان، ولكن الشعب بقي صامداً شامخاً كالجبال، ولم تسطتع الانظمة الحاكمة من ان يحيده عن طريقه في المطالبة بحقوقه قيد أنملة، قد اتت تلك الشجرة التي اصلها ثابت، وفروعها تعانق الغيوم بثمارها، وفتحت الابواب على مصراعيها لنقول كلمتنا بكل اخلاص ونودع صفحات المأسي والآهات ونسجل التاريخ بأيدينا وكيفما نريد وحسب ما نشتهيه على أساس التعايش السلمي، والعدالة الاجتماعية، والديمقراطية وحقوق الانسان، ونكون نبراساً في العالم، رغم تعالي الاصوات ومعارضتهم بعدم المشاركة في الاستفتاء او الطلب بتأجيلها وانها لاتزيدنا الا الحماسة وانتظار ذلك اليوم الذي نقول فيه من اعماق القلب نعم للاستقلال والدولة الكوردستانية وندخل التاريخ من أوسع ابوابه لانه حدث قلما يتكرر في حياة الانسان وان الظروف السياسية والأمنية والقانونية مناسبة مما يجعل التأجيل امراً صعباً ويطرح الاسئلة الكثيرة ويعاتبنا الاجيال القادمة وان الاحداث تغير مجرى التاريخ فلنسجلها بحروف من ذهب، أو نتحمل ما يكتبه التاريخ علينا.



*ماجستير قانون دولي
Top