• Tuesday, 03 February 2026
logo

طارق كاريزي: الانتفاضة الكردية الكبرى

طارق كاريزي: الانتفاضة الكردية الكبرى
يشير عدد من المؤرخين وكتاب التأريخ الكردي الحديث، الى ان الشعب الكردي عاش ومازال حقبة طويلة من الثورات والانتفاضات المتتالية طوال القرنين الماضيين. وجاءت ثورات الشعب الكردي وانتفاضاته ضد الظلم والقهر الذي كان يعانيه على يد سلطات الامبراطورية العثمانية والصفويين وشاهات القاجار واسرة بهلوي وانظمة الحكم في تركيا وايران والعراق وسوريا، أي الدول التي تأسست بعد الحرب العالمية الاولى ايضا.



قادة وزعماء الثورات الكردية كانوا ومازالوا يطالبون بالسيادة الكردية واستقلال كردستان. ومن دون الخوض في تفاصيل عدم تحقيق سلسلة من الانتفاضات المتواصلة للكرد في جميع اجزاء كردستان لاهدافها التي تتلخص في تحقيق الحرية لشعب كردستان والاستقلال الناجز لكردستان، نود تأكيد حقيقة اصرار الكرد على مواصلة النضال وحجم الخسائر الكبيرة والتضحيات الجسيمة التي دفعها وقدمها الكرد بسبب قساوة اساليب القمع التي جابه بها محتلو ومقتسمو جغرافية كردستان وناهبوا خيرات موطن الكرد لقمع هذه الثورات والانتفاضات.



قرار شعب لا ظهير له بمواجهة الالة الحربية الفتاكة لدول مزوّدة باحدث انواع أسلحة العصر ليس سهلا بالمرّة، لكن مرارة الاحتلال وانعدام العدالة والتمييز العنصري ضد الكرد ومحاولات صهره ومصادرة هويته، كان لابد وأن يكون الرد الكردي من اجل الدفاع عن ثلاثي الوجود والارض والهوية التي تم الطاول عليهن من قبل دول شعوب الجوار.



الانتفاضة الكردية الكبرى ونعني بها انتفاضة آذار/1991 في جنوبي كردستان، هي نموذج مشرق للثورات الكردية الكبرى في تأريخ الكرد المعاصر. وارتأيت اطلاق تسمية الكبرى عليها كونها استطاعت تحرير أكثر من 90% من جغرافية كردستان العراق خلال اسبوعين من الانتفاضة المتواصلة. وتستحق وصف الكبرى كونها جمعت كافة الاحزاب والقوى الكردستانية تحت مظلة الجبهة الكردستانية، وشارك فيها شعب جنوب كردستان بجميع أطيافه وشرائحه وطبقاته. هذه الانتفاضة استطاعت تحطيم حاجز الرهبة والرعب التي أشاعها نظام صدام/ البعث في عموم العراق وفي جنوبي كردستان من خلال سلسلة جرائم ضد الطبيعة والانسانية، بعض مفرداتها (الارض المحروقة، الانفال، السلاح الكيمياوي).



من المهم هنا التذكير بأن تسريبات شاعت بين الشعب كانت تقول بأن الحكومة العراقية (حكومة قائد الضرورة صدام!) قد وضعت اللمسات الاخيرة للتهجير القسري لشعب جنوب كردستان بالكامل واخلاء كردستان من الكرد تماما. هذه التسريبات قد ظهرت الى العلن من خلال تصريحات ادلى بها ابن عم صدام المدعو (علي حسن المجيد) بالعربية العراقية الدارجة، وجاء فيها "نجيب عرب أبو الدم الخفيف للجبال" ومعناها بالعربي الفصيح "سنأتي بالعرب ذو الدم الخفيف الى الجبال"، والمقصود بالجبال هنا كردستان.



ربما لا يعرف البعض مغازي ودلالات هذه الجملة، عليه اليكم بعض التوضيحات: سكان الجبال أي سكان كردستان هم الكرد ثقيلو الدم لذا لابد وان تقوم حكومة الحزب والثورة (البعث وثورته أو الاصح انقلابه في 17/تموز/1968) بالتخلص من الكرد وتأمين الجبال من خلال استيطان العرب (ذو الدم الخفيف بحسب المجيد) فيها. هذه الحملات التي عرفت بالتعريب وقد طبقت في مناطق واسعة من كردستان العراق في محافظات ديالى (تدمير جميع قرى وبلدات قضائي مندلي وخانقين وترحيل وتهجير سكانها الكرد الى منافي الاقليم العربي للعراق في الوسط والجنوب منذ عام 1974)، وكركوك التي تم تقطيع أوصال المحافظة وتم قضمنصف مساحتها (10 آلاف كيلومتر مربع ما يعادل مساحة دولة لبنان) حيث استقطعت أربعة أقضية ذات أغلبية كردية من أصل ستة أقضية والحقت بالمحافظات المجاورة (السليمانية، ديالى، صلاح الدين) ودمّرت حوالي 771 قرية وعدد من البلدات الكردية التابعة لكركوك وتم تهجير سكانها الى خارج المحافظة، علاوة على حملات تهجير وترحيل قسرية استمرّت لمدة ربع قرن استهدفت الكرد الساكنين في مدينة كركوك مركز المحافظة، كل ذلك من اجل تغيير التركيبة الديموغرافية لكركوك ذي الاغلبية الكردية لصالح أغلبية عربية من المستوطنين القادمين من جميع المحافظات العربية في العراق. وأخيرا فان حملات تعريب واسعة استهدفت الكرد في محافظة نينوى، حيث تم تهجير الكرد الايزدية في شنكال وشيخان في شمال شرق وكذلك غرب نينوى والكرد الشبك بدءا من الضاحية الشمالية الشرقية لمدينة الموصل حيث يقطنون بكثافة في 72 قرية ويشكلون ثقلا سكانيا مؤثرا في سهل نينوى الى جانب الكرد الايزديين والمسيحيين. وتعرض كرد مدينة الموصل مركز المحافظة لمضايقات شتى وتم حرمانهم من جميع حقوق المواطنة وتعرضوا لمضايقات وحملات تهجير وترحيل واسعة ايضا.



كل هذه الحملات التي استهدفت التخوم الجنوبية والغربية والجنوبية الغربية من كردستان العراق غيّرت ديموغرافية هذه المناطق لصالح المكون العربي العراقي بعد خطط وحملات استيطان واسعة عرفت بالتعريب وترجمت من خلال تهجير وطرد (الكرد) السكان الاصليين لهذه المناطق واسكان واستيطان وافدين (عرب) من مختلف المحافظات العربية محل الكرد وتحويل ملكية الاراضي الكردية باسم المستوطنين الوافدين أو الوزارات العراقية، سعيا لقضم واحتلال مناطق السهول الخصبة ومنابع النفط الكردستانية في ديالى وكركوك وأربيل ونينوى، وحصر الكرد في المراحل الاولية من حملات التعريب في مناطق الجبال الوعرة ومن ثم احتلال هذه الجبال أيضا في المراحل النهائية والاخيرة من خلال حملات تعريب واستيطان ثانية تهدف اخلاء كردستان من سكانها الاصليين واغتصاب جغرافيتهم وتوزيعها كغنائم على العرب الزاحفين من مناطق وسط وجنوبي العراق باتجاه الشمال الكردي (جنوبي كردستان).

خطة تعريب كردستان العراق التي استطاعت انهاء الوجود الكردي تقريبا في حوالي 45% من كامل جغرافية اقليم كردستان العراق الذي يبلغ مساحتهما بين (82- 87) ألف كيلومتر مربع، كانت تسير وفق مخططات دقيقة. نشير باختصار وعلى سبيل المثال الى بعض مفرداتها:



-تدمير مناطق الكرد الفيلية وانهاء وجودهم في محافظتي واسط وديالى وتوزيع أراضي قراهم على العشائر العربية الزاحفة نحو الشرق والشمال، وكذلك الاستيلاء على أملاكهم ومصادرة ممتلكاتهم في بغداد ومراكز المدن الاخرى.

-استهدفت حملات التعريب بكثافة مناطق البترول وسهل كركوك في جنوب وغرب وجنوب غربي المحافظة، وفي العقد الاخير من القرن الماضي حقق التعريب أهدافا خطيرة مهدت السبيل لتنفيذ خطة الحزام العربي ليحيط كركوك من الشمال والشرق، لتتجه بعدها سهام خطط التعريب نحو عمق الجغرافية الكردية في أربيل والسليمانية، وذلك بعد انهاء الوجود الكردي في مفصل كركوك الستراتيجي.



-تم توظيف المثل والرموز الدينية لادانة الكرد واستهدافهم وتبرير قتلهم واحتلال اراضيهم والاستيلاء على املاكهم وممتلكاتهم، الانفال (احدى سور الكتاب الكريم) اطلق كعنوان لتدمير حوالي (5) آلاف قرية كردية وعشرات البلدات (مراكز الاقضية والنواحي). وتم تبديل اسم حي (رحيماوا) السكني (علاوة على المئات من الاسماء الكردية الاخرى) في كركوك الى (الاندلس) في دلالة واضحة لحث الذاكرة الجريحة للقومجيين والشوفينيين وتعويض خسارة الاندلس بغنيمة كركوك. وكذلك اطلقت سلسلة اسماء على مستوطنات اقيمت للعشائر العربية في سهل شوان (شمال شرق كركوك) ذات مغاز ودلالات بيّنة (الوثبة، الصمود، الشهادة، الثغرة). دقق عزيزي القارئ في عمق هذا التحريض الذي يستهدف الكرد في الصميم، تبنى الثغور في الاسلام عند الحدود الفاصلة بين ارض الاسلام وارض الكفر. أي استهداف بغيض هذا للكرد في وجودهم وأرضهم؟



-أثناء تنفيذ الفقرة الاولى من المادة (140) من الدستور العراقي والتي كانت تقتضي التطبيع من خلال عودة المرحلين الكرد ورجوع الوافدين العرب كل الى مناطقهم ومدنهم وقراهم السابقة، قدمت عدد من الاسر العربية الوافدة الى داقوق (30 كم جنوب كركوك) والتي اسكنت في مستوطنات اطلقت عليها اسماء مثل (حيفا، يافا، الوحدة.. الخ) طلبات لتشملهم تعليمات الفقرة المذكورة. لكن واجه هؤلاء المستوطنون العرب مشكلة كونهم لا يملكون الجنسيّة العراقية قبل قدومهم الى كركوك، وهي احدى المستمسكات الضرورية التي لابد وأن تقدم لموظفي لجنة تنفيذ المادة 140 وذلك لاستبيان المكان السابق للمستوطن العربي أو المهجر الكردي ومكانه الحالي من أجل تطبيع الاوضاع التي تتمثل بعودة المستوطن العربي الى منطقته الاصلية في الاقليم العربي للعراق ويعود الكردي الى ارضه وقريته ومدينته التي هجر منها قسرا، مع تلقي تعويضات مقدارها 20 مليون دينار عراقي للمستوطن العربي و10 ملايين دينار عراقي للمرحل والمهجر الكردي (انظروا، حتى الدستور العراقي ميّز بين العربي والكردي، منح الاول تعويضات ضعف المبلغ المخصص للثاني). لكن مستوطنو عرب داقوق تبيّن انهم ليسوا عراقيين، بل كانوا قبل قدومهم الى كردستان بدو رحل يتنقلون عبر الحدود العراقية السعودية وتم تجنيسهم كعرب كركوك.



هذه المعلومات التي طرحناها هي غيض من فيض التجاوزات والحملات الرهيبة التي استهدفت الوجود الكردي في هذا الجزء من كردستان، هدفنا تقديم صورة توضيحية مختزلة لقساوة الظرف الكردي في جنوب كردستان، خصوصا وان حكومة البعث/ صدام قد وضعت اللمسات الاخيرة لتعريب جنوب كردستان تماما واغتصاب هذه الارض. في هذه الاجواء القاسية والرهيبة والتي لم تمرّ بعد ثلاث سنوات على تنفيذ حملات الانفال التي استشهد فيها ربع مليون مدني كردي دفنوا أحياء في المقابر الجماعية التي اكتشف البعض منها بعد سقوط صدام (2003)، وكذلك قساوة السلاح الكيمياوي الذي ضرب به الكرد في حلبجة وعشرات القرى الكردستانية، امتلك شعب جنوبي كردستان شجاعة مواجهة الالة الحربية والاجهزة القمعية لنظام البعث العراقي، لأنه وجدها الفرصة السانحة للتخلص من القمع الصدامي وتحقيق الانعتاق والحرية.

نكبة الكويت

غزو الكويت من قبل الجيش العراقي يوم 2/8/1990 اسقط دولة عربية ذات سيادة بموجب الشرعية الدولية. قوات الحرس الجمهوري التي خرجت من حرب الثمان سنوان مع ايران وهي في منتهى الجهوزية وذات قدرة عالية على المناورة والهجوم، وجدت في دولة الكويت هدفا في منتهى السهولة أمام الاحتلال الصدامي (ونقول الاحتلال الصدامي، لأن قرار احتلال الكويت كان صداميا أكثر من كونه عراقيا). صغر مساحة الكويت وانبساط الارض بين البلدين ومحدودية القدرات الدفاعية له، جعل غزوه من قبل قوات الحرس الجمهوري العراقية هدفا سهل التحقيق. تلقت هذه القوات الاوامر من صدام واجتازت الحدود الفاصلة بين البلدين في الساعة الثانية بعد منتصف الليل وبعد ساعتان فقط، سقطت دولة الكويت ولولا فرار اميرها نحو السعودية، لاسرته القوات العراقية.



هذا الخرق الخطير للأمن والسلم الدوليين والتجاوز الرهيب ضد الشرعية الدولية، شكلت صدمة كبرى لدى المجتمع الدولي الذي هبّ لتشكيل تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة الامريكية لمجابهة وصد الغزو العراقي للكويت. الدول العربية، خصوصا الخليجية منها، قدمت وابدت منتهى التعاون والدعم للتحالف الدولي الذي استطاع تدمير الجيش العراقي والحاق هزيمة نكراء بقوات صدام. هذه الاجواء الساخنة كانت كافية لحث الشيعة في الجنوب والكرد في كردستان العراق على الانتفاض ضد نظام صدام الذي اضطهد الطرفين ومارس العنف والصرامة بغلوّ ضدهما. وهكذا فقد اندلعت انتفاضة الشيعة الشعبانية بدءا من البصرة حتى طرقت ابواب بغداد، ثم اندلعت انتفاضة الكرد انطلاقا من رانية وانتهت بتحرير كركوك. ما يهمنا هنا هو تناول انتفاضة الكرد ضد سلطات صدام عام 1991 في جنوبي كردستان، والتي يسعنا ان نطلق عليها تسمية انتفاضة الكرد الكبرى وذلك لعظم النتائج والانتصارات التي حققتها أثناء الانتفاضة والنتائج التي تمخضت عنها تاليا واوصلت الامور الى حد بلوغ مرحلة استقلال كردستان بعد مرور أكثر من ربع قرن على اندلاعها.



تطرقنا فيما سبق للعاملين الذاتي والموضوعي اللذان مهدا الطريق لانداع انتفاضة آذار/1991، فالممارسات القمعية والعنصرية لنظام البعث/ صدام ضد الكرد وكردستان بلغت أوجها بحيث بات شعب جنوبي كردستان يحس بأنه على حافة الفناء، وجاء العامل الموضوعي باندحار قوات صدام في الكويت وتلقيها ضربات قاسية جعلت نظام صدام على حافة السقوط. الجبهة الكردستانية التي ضمت تحالفا للاحزاب الكردستانية وضعت الخطط والبرامج اللازمة لقيادة الانتفاضة من حيث الجهد العسكري واللوجستي والتنظيمي والاعلامي والاداري والخدمي. مع ان قوات بيشمركة الاحزاب الكردستانية كانت قليلة، حيث تفيد بعض التقديرات بانها كانت بحدود (2- 3) آلاف بيشمركة مزوّدين بأسلحة خفيفة وكميات محدودة من العتاد والذخيرة. مثل هكذا قوة عسكرية غير كافية لتغطية مساحات واسعة تشمل أربع محافظات كردستانية ومناطق كردستانية في ثلاث محافظات عراقية اخرى.



التعويل كان على الجمهور الكردستاني الذي كان على اتم الاستعداد للانتفاض بوجه الاجهزة الامنية والقمعية لنظام صدام، والخلايا التنظيمية للاحزاب الكردستانية كانت بمثابة المحرك للاحتجاجات الجماهيرية وانتفاضة الشعب في جميع المدن والبلدات الكردستانية. الانطلاقة الاولى للانتفاضة كانت في مدينة رانية (أحد أقضية محافظة السليمانية) حيث تم تحريرها يوم 5/3/1991 من سلطات البعث بعد استسلام القوات العسكرية والتشكيلات المسلحة المتعاونة مع السلطات، وانخراط المسلحين الموالين سابقا للسلطات الى جانب الجماهير المنتفضة. وبعد تحرير عدد من القصبات والمجمعات السكنية القسرية التي أقامها نظام صدام للقرويين الكردستانيين الذين تم تهجيرهم قسريا بعد تدمير قراهم ومزارعهم، تم يوم 7/3/1991 تحرير مدينة السليمانية من نظام صدام، وبذلك فقد تم ولأول مرّة تحرير مركز احدى محافظات جنوبي كردستان من سلطات الاحتلال البعثية. الانتفاضة امتدت نحو الجنوب والغرب، حيث تحررت العديد من المدن ومراكز الاقضية والبلدات في محافظات كركوك، أربيل وديالى وصلاح الدين. یوم 11/3/1991 تم تحریر أربیل عاصمة جنوبي كردستان، وبذلك فقد تلقى نظام صدام ضربة قاصمة افقدته الشرعية في منطقة (كردستان للحكم الذاتي) الشكلي الذي كان مفرغا من السلطات والصلاحيات القانونية في ظل دولة رفعت شعار (اذا قال صدام، قال العراق).



وبعد يوم من تحرير أربيل، امتدت شرارة الانتفاضة واسعا، فقد عبرت نهر الزاب الكبير وتم تحرير مركز قضاء آكري(باتجاه دهوك والموصل) وكذلك مركز قضائي كفريوخورماتو (جنوب كركوك)، هكذا بدأت الانتفاضة تدق ابواب كركوك ودهوك، وهي ليست ببعيدة عن الموصل وتكريت وبعقوبة باعتبارها مراكز محافظات عربية فيها مناطق كردستانية واسعة. فصدرت الاوامر من ابن عم صدام، المدعو علي حسن المجيد (علي كيمياوي، كنيته لدى الكرد لكثرة استخدامة الاسلحة الكيمياوية ضدهم) باعتقال كل كردي في عمر (16- 60) عاما في الموصل وكركوك وباقي المناطق الكردستانية التي كانت خاضعت حتى ذلك الوقت لسلطاتهم. وبالفعل فقد تم اعتقال (20) ألف كردي في كركوك و(15) ألف كردي في الموصل تم سوقهم للمعتقلات البعثية ومعسكرات الاسرى الايرانيين والكويتيين وفي أجواء قمعية رهيبة.



هذا الاجراء الاحترازي من جانب المسؤول العسكري الاول على شمال العراق (علي حسن المجيد) صاحبه زيادة وتكثيف القوات العسكرية والامنية في المدن والبلدات الكردستانية غير المحررة، فقد زرعت كركوك مثلا بالمدرعات والدبابات ومختلف صنوف القوات العسكرية والامنية الى جانب وضع مقرات حزب البعث وتنظيماته على أهبة الاستعداد لمواجهة مد الانتفاضة ومحاولة الحيلولة دون تحرير المزيد من المدن والبلدات الكردستانية، وذلك ببناء خنادق ومتاريس صد عسكرية تحيط بكركوك على شكل أقواس نارية، لكن اصرار المنتفضين وتواصل الجهد العسكري والتنسيق العالي لقيادة الجبهة الكردستانية وقادة أحزابها والدعم الجماهيري الواسع، اسفر عن تحرير مدينة دهوك يوم 14/3/1991 وبعد ستة أيام (يوم 20/3/1991) تم تحرير مدينة كركوك بعد معركة شرسة شاركت فيها القوات العراقية بكافة صنوفها البرية (المشاة، المدفعية، الدروع) والجوية، لكن شجاعة المنتفضين واصرار البيشمركة ووحدة الصف الكردستاني، أسفرت بعد معارك طاحنة ومواجهات ضارية استمرت على مدى يومين كاملين لم يهدأ فيهما أزيز الرصاص ودوي الانفجارات ولو للحظة واحدة، الى تحرير كركوك، ايذانا بانتصار الانتفاضة حيث أوقدت نار نوروز في هذه المدينة ذات الرمزية الكردستانية وعموم مدن وبلدات جنوبي كردستان بكل حرية بعد سنين من المضايقات والملاحقات من قبل نظام البعث.



نتائج ايجابية

سلسلة ثورات وانتفاضات قام بها الكرد في مختلف مناطق واجزاء كردستان الكبرى على مدى القرنين الماضيين، لم تحقق النتائج المرجوة منها، فرغم شجاعة وتضحيات الشعب الكردي وتفانيه في القتال والدفاع عن حقوقه، الا ان اسبابا ذاتية موضوعية وخارجية مؤثرة أدت الى عدم تمخض نتائج منتظرة من هذه الثورات والانتفاضات. مع ان العديد من الانتفاضات الكردية استطاعت تأسيس حكومات وسلطات وطنية (الامارات الكردية الأخيرة، مملكة كردستان وعاصمتها السليمانية، جمهورية كردستان الديمقراطية وعاصمتها مهاباد، سلطات ثورة ايلول)، الا انها تراجعت ولم تستطع ان تثمر عن نتائج ومنجزات كردية (وطنية وقومية) طويلة الامد.



انتفاضة آذار/1991 تشكل منعطفا كردستانيا مهما، فقد تمخضت عنها نتائج ايجابية كبيرة، وحققت منذ البداية انتصارات عسكرية باهرة وخلال مدة زمنية قياسية، اسقطت خلالها فيلقين من قوات صدام وسيطر المنتفضون على عدد من المطارات العسكرية وتم تحرير مراكز محافظات كردستان الاربعة آنذاك، ومن ثم اسفرت عن تشكيل حكومة اقليم (جنوبي) كردستان منذ ربع قرن. وهي ذات المسيرة التي بدأت بالانتفاضة وتواصلت حتى الانتصار على تنظيم داعش الارهابي، واخيرا فان نتائجها الآن تطرق ابواب اعلان دولة (جنوبي) كردستان.
Top