طارق كاريزي : نوروز
يوم نوروز هو رأس السنة الكردية (وكذلك رأس السنة لدى بقية الشعوب والاقوام التي تعترف بنوروز عيدا لديها) وبداية العام الجديد. مهما اختلفت السرديات والروايات حول جذور عيد نوروز وبداياته وأسباب ظهوره، حيث هناك آراء متباينة بين الباحثين والدارسين حول اصول هذا العيد. علاوة على ذلك هناك اجماع شبه تام حول قدم هذا العيد، ويعتبر اقدم عيد مازالت البشرية تحتفل به. البعض يرد بجذوره الى الشعوب والاقوام الكردستانية الاولى أو اجداد الكرد والكردستانيين، فيما يشير آخرون الى ان هذا العيد يرجع بجذوره الى السومريين والبابليين أقدم المستوطنين الذين وضعوا اللبنات الاولى للحضارة الانسانية في جنوب وادي الرافدين. نقول اختلفت الروايات وتباينت السرديات حول جذور مرجعية عيد نوروز، ولابد من القول بأن هذا العيد وهذه المناسبة، مع انه عيد ذات طابع دولي، الا انه في ذات الوقت عيد كردي صميمي، حيث ترتبط مراسيمه وطقوسه بالعديد من الوشائج بالثقافة والتراث الكرديين، وتتغلغل عميقا بين ثنايا التكوين الثقافي للامة الكردية. وهو من المناسبات التي يحتفي بها الكرد من اتباع الديانات الكردية القديمة، كالايزدية واليارسانية والزرادشتية، وهي ايضا ذات طابع قدسي لديهم.
الحضارة الكردية وثقافة كردستان تتوضح خصوصيتها عبر كونها حضارة وثقافة ذات بعد طبيعي، أي ان الطبيعة هي عنصر أساس في مكون المخيلة الكردية والذات الكردية المعطاءة، وهي ايضا جزء اساس وعنصر فعّال وحاضر دوما في فلسفة الانسان الكردستاني ورؤيته للوجود. جميع خصائص المجتمع الكردي ومختلف الرؤى الانسانية للمواطن الكردستاني هي شديدة الصلة بالطبيعة والبيئة. ويتجلى ذلك خصوصا اذا تطرقنا لعينة من الشريحة القروية للكردستانيين، كون الطبقة الفلاحية والمزارعين ومربي الماشية من الكردستانيين، هم الاكثر تعبيرا عن شخصية الانسان الكردي وكينونته وارثه الحضاري والروحي، لان امتهان حرفة الزراعة ولدت ونشأة في البيئة الكردستانية، وتكاملت خصائصها الحياتية في بيئة وجغرافية كردستان. وتبقى بيئة الريف اصدق تعبيرا عن المكون الحضاري الكردي والكردستاني. مما يعني ان الزراعة (وكذلك تربية الماشية والدواجن والدواب) كنشاط اقتصادي وكبعد حياتي هي من نتاج مخيلة الكردستاني ومبادرته الحياتية وسعيه الدائم لتأمين مستلزمات العيش الكريم. فيما عالم المدينة هو الوسط او الحقل التجريبي الذي يتم فيه اختبار النتاجات الحضارية والسلع الحياتية ونمط الحياة المدنية للاخرين داخل البيت الكردستاني. وبصورة عامة فان المدن وليدة هجين من الثقافات القريبة والبعيدة، بعكس القرية التي تستطيع بحكم محدودية البيئة البشرية، المحافظة على أكبر قدر من الخصوصية الحضارية والمكونات الثقافية للتجمعات السكانية.
التقويم الريفي الكردستاني يوضح تفاصيل مدهشة من خلال كم هائل من المعطيات ذات الصلة الحميمية بالطبيعة. فحياة الانساني الكردي في ريف كردستان هي جزء من عطاء الطبيعة، بل هي امتداد متداخل يمتزج فيها الوجود الانساني بالوجود الطبيعي بشكل عفوي وبنّاء. ومن هنا فان المعطيات الحياتية والملامح الثقافية والتراثية والتكوين العقائدي والمخيلة والتجربة الحياتية للكردستاني، هي نتاج مزج هارموني مع الطبيعة الكردستانية. ويمكن دراسة المجتمع الكردي من مختلف جوانبه وبصورة صميمية من خلال قراءة حضور الطبيعة في مفردات حياة الكردي. ويوم الاول من نوروز الذي هو بداية شهر نوروز والعام الجديد بحسب التقويم الكردي، هو يوم عيد ويوم مناسبة كبيرة شديدة الصلة بالطبيعة وظواهرها الفطرية التي تتبدى من خلال التفاوت بين فصول السنة. ويأتي انتهاء فصل الشتاء وبرده ايذانا بانتهاء زمن السبات والصقيع وبدء مرحلة زمن العمل والعطاء. الطبيعة هكذا تقول من خلال انبعاث الحياة مجددا في البراري والجبال والسهول والوديان وتدفق المياه من الينابيع والعيون وذوبان ثلوج الجبال وانبعاث الخضرة في كل شبر من أرض كردستان، وتبدأ الاشجار انطلاقة الحياة، تورد وتورق لتثمر تاليا ولتمد ظلالها على الارض المباركة التي استقبلت سفينة نوح، الاب الثاني للبشرية. وتتهيأ الارض للفلاحة ونمو النباتات البرّية وتزدان الطبيعة بمروج من الزهور التي هي ابتسامات للطبيعة بوجه الحياة والكائنات.
يوم نوروز هو يوم السرور والفرح والانطلاق والبهجة، انه يوم الحرية والانعتاق وارتداء الازياء الجميلة الجديدة وتناول ما لذ وطاب من الاطعمة وانطلاق الشعب نحو احضان الطبيعة وعقد حلقات الرقص الكردي (الدبكات) التي يشارك فيها النساء والرجال، الصغار والكبار.
الانسان الكردي له ارتباط والمام فطري بيوم عيد نوروز، الاستجابة لعامل البيئة الطبيعة نابعة من حالة الانسجام والهارمونيا بين الطبيعة الكردستانية والانسان الكردي الى درجة تبعث على الدهشة. ومن هنا فان السرديات التي روّج لها المثقفون والنخب الكردستانية خلال القرن العشرين بعد انتشار الصحافة وسط المجتمع الكردستاني، جاءت من منطلق فهم هؤلاء لاغناء تراث نوروز وثقافتها لدى الكرد من جهة، ومن جهة ثانية شكلت عبئا على روح نوروز كعيد التجدد وبداية انطلاق العام الجديد وبدء موسم البهجة والسرور.
بغض النظر عن سيل السرديات التي نقلها الكتاب والنخب الكردية من المصادر المختلفة وقاموا بالترويج لها عبر كتاباتهم ومن خلال النشاطات الفنية والثقافية، لكن هذا العيد ظل مستقرا في ضمير الكردي ومخيلته الجمعية بطابعه الكردي الاصيل وتقاليده الراسخة الجذور شعبيا، بمعنى ان هذا العيد لم يفقد بريقه كجزء من ثقافة الكرد وحضارة الكردستانيين، والسرديات التي دخلت وراجت في الوسط الثقافي الكردي حفّزت الهمم أكثر فأكثر، وبعد كثرة النبش والحفر فيها سمعنا في السنين الاخيرة شكوكا أثارها البعض ازاء هذه السرديات. ونظرا لمرونة وانفتاح عيد نوروز واصالته وعمق جذوره كرديا، فقد جاء تقبل الكثير من الطروحات والبنى النظرية والامال التي علقت عليها، خدمة لحركة تحرير الكرد من عبودية محتلي كردستان وضمانا للسعي من أجل حرية واستقلال كردستان. اي ان نوروز تم منحه لبوسا سياسيا بحسب مقتضيات حال الشعب الكردي الذي يرزح حاليا تحت نير احتلالات من قبل شعوب ودول الجوار الكردي.
قد يصعب الالمام بثقافة نوروز ودلالاتها العميقة، كون هذا العيد من صميم الذاكرة الكردية وهو عيد تم توراثه منذ آلاف السنين، الشيء الذي يمكن التأكيد عليه، هو ان هذا العيد جزء من التقاليد الاصيلة للمجتمع الكردي وجزء حيوي من ثقافة شعب كردستان. كل كردي اينما كان لابد ان يحتفل بنوروز ويمارس طقوسها سواء أكان في كردستان أو في خارجها.
ملاحظة جديرة حول قرار منع الاحتفال بنوروز هذا العام من قبل سلطة الادارة الذاتية في غربي كردستان. باعتقادنا ان هذا القرار يتوافق مع الظرف الامني لاقليم غربي كردستان. قد لا نتفق مع الكثير من قرارات هذه السلطات، الا ان تعرض شعب غربي كردستان خلال مراسم احتفاله بعيد نوروز في الاعوام السابقة لهجمات ارهابية نفذها اعضاء من تنظيم داعش، يعطي المسوغ الامني الملح لهكذا قرار خدمة لسلامة وأمن المحتفلين بنوروز. عليه ومن باب حقن الدماء وحماية المواطنين من شرّ الارهاب ومخاطر الانتحاريين الذين لا تروق لهم ان يمارس الكرد والكردستانيون وأي انسان كان، طقوس المسرّات والفرح، لنتفهم فحوى هذا القرار بعيدا عن الشجن السياسي، خصوصا وان القوات الامنية للادارة الذاتية يبدو انها عاجزة عن حماية وضمان أمن احتفالات نوروز لمواطني كوردستان سوريا، عدا الاحتفالات التي يقيمها حزب الاتحاد الديمقراطي. لابأس أحيو ايها الكردستانيون في غربي الوطن نوروزكم في المنازل والازقة وأوقدوا قناديل فرح نوروز ابتهاجا بهذا اليوم الكبير في أماكن تضمنون أنتم سلامتها، لكي تأمنوا على سلامة أرواحكم وأرواح ذويكم وأرواح جميع الكردستانيين من شرَ الارهابيين وجرائمهم الشنيعة. طوبى لكم نوروز عيدا وعاما جديدا، وسنكون على موعد مع نوروز الحرية والاستقلال والازدهار.
