هل تتلافى كردستان كوارث جنوب السودان؟
وكانت مصر من أوائل الدول التى سعت لتفهم المعضلة والآمال الكردية. ولقد كانت القاهرة محلا لأول إذاعة ناطقة باللغة الكردية فى عهد الرئيس جمال عبد الناصر. ولكن الحقيقة تبقى أن تفجير القضية الكردية فى العراق كان سابقاً لتفجرها فى تركيا مثلا. مما يثير التساؤل عن ارتباط تصعيد المشكلة الكردية بعداء العراق المبكر للصهيونية فرغم أن العراق ليس له حدود مع فلسطين إلا أن جيشه كان حاضرا بقوة فى حرب ١٩٤٨. وفى العراق أيضا كانت أول محاولة صريحة وشجاعة للاعتراف للأكراد بالحكم الذاتى عام ١٩٧٠ فى سابقة لم تتكرر أبداً، وقتلت فى مهدها من كل الأطراف العرب والأكراد والقوى الدولية. كان أصرار الاكراد حينها و المستمر لليوم على كركوك ونفطها هو بوابة الصراع الدموي.
لقد أتى الأكراد متأخرين تاريخيا لحركات التحرر الوطني. فالحركة القومية الكردية لم تأتِ مثلاً فى تواكب مع مصر والصين والهند للخلاص من الاستعمار، لكنها أتت فى عصر تحولت فيه قضية القوميات لشوكة فى خصر شعوب العالم الثالث وكل من يناوئ المشروع الأعظم للاستعمار والامبريالية حول العالم. فلقد كانت قضية القوميات هى أحد معاول هدم الاتحاد السوفيتى وتفكيك يوغسلافيا مثلا. ولا يحتاج المرء للبحث عن نماذج تظهر مأساوية النتائج المترتبة على الحركات القومية الانفصالية؛ فها هو جنوب السودان يستقل ويتسلح بدعم مالى وتقنى غربي. والمتتبع لوضع جنوب السودان يدرك أن تقسيم السودان كان كارثة بكل المقاييس لأبناء الجنوب فى السودان، فلقد تفجرت مناطق الجنوب وانقسمت إلى فصائل متناحرة تتصارع بالأسلحة الثقيلة من مصفحات وغيرها مما حدا بالساسة الغربيين ومنهم أوباما للتدخل حيث تحول مشروع جنوب السودان إلى فضيحة سياسية مذرية تجلل مشجعى حركات الانقسام والانفصال بالعار.
وتبقى النزعات الانفصالية فى دول العالم عملية مربحة لدوائر عديدة بدءاً من (أمراء أو لوردات الحرب) لتجار السلاح وانتهاء بكل من يطمع أن يكون ممن يرثون الكيان السياسى الجديد وثرواته الطبيعية.
وربما يكون الصراع الفج بين شركة توتال للنفط الفرنسية وبريتيش بتروليوم الانجليزية حول امتيازات التنقيب على النفط فى جنوب السودان مثالاً للفساد الأعظم والدوافع الحقيقية التى تغذى تلك الحركات الانفصالية والقومية.
مسعود البارازانى يقول إذن (لن ننسحب من الأراضى التى دفعنا ثمن تحريرها بالبشمرجة من داعش) لذلك فمن الطبيعى أن تعترض بغداد على توسع الإقليم! ربما يكون من المبكر كشف اللثام عن حقيقة تمويل داعش وتسليحها، لكن المرتزقة المسلمين وداعش كانوا قوة وكياناً تم تمويلهم وتسليحهم فى الخفاء ليؤدوا دوراً وظيفياً. لقد خلقت داعش لتتوسع ولتخلق مبرراً لتغيير الخرائط. ومع خلق داعش خلقت ذريعة اللجوء المفتعل للأكراد للقتال ضد داعش. والتى حولتها آلة الإعلام الغربى بما صاحبها من إثارة إلى وحش أسطورى دولى لا تستطيع حتى أمريكا القضاء عليه إنما تستطيع فتيات الأكراد الحسان والبشمرجة البواسل مقاتلته. الفكر الصهيونى للمستشرقين ومؤسساتهم من باريس للندن لنيويورك لتل أبيب يطل دون خجل فى سيناريو سياسى استخدم الإسلام لتدمير دول الشرق. آلاخراج السينمائى لدور الأكراد فى مواجهة داعش يتوازى مع الدعاية التاريخية للقصة الصيهونية فى الشرق الأوسط بشكل واضح وضوح الشمس. لقد وعد أمراء ولوردات الحرب الأكراد بدولة كردية ووعد سلطان الأتراك بعدم إقامة دولة كردية من نفس الجهة التى توزع الوعود.
ترى هل من الممكن أن يبقى الأكراد داخل الوطن العراقي؟ بل وهل من الأفضل لهم البقاء فى عراق واحد علمانى متحد؟ الإجابة بالتأكيد نعم ولكن التوغل الصهيونى والغربى فى صنع المشروع الكردى عميق وكبير. فالأكراد أقرب إلى بغداد من تل أبيب وسيبقون. ففى العراق متعدد الزوايا سيزدهر الأكراد وسيتشاركون فى ثرواته وسيكونون هم الجسر الضرورى للعلمانية. وفى العراق المتحد سيتلافى الأكراد المصير المظلم للحركات القومية التى استندت إلى الاستعمار والصهيونية، فأغلبهم بحق ينطبق عليهم المثل (راحوا البحر ورجعوا عطشانين) وها هى الأيام تثبت أن كل تلك القضايا القومية هى آليات يتخلى عنها أصحاب القرار بسهولة فها هو (دونالد ترامب) يعلن فى منتصف أغسطس فى فلوريدا( أن اوباما قد خلق داعش) ثم يشير لاحقا إلى إن دور الولايات المتحدة ليس إنشاء الدول الجديدة فى تصريحات متناقضه بشأن الاكراد.
د. حازم الرفاعي;
