• Tuesday, 03 February 2026
logo

العراق بلد النعرات الطائفية والانشقاقات السياسية

العراق بلد النعرات الطائفية والانشقاقات السياسية
جلال شيخ علي
منذ نشأة الدولة العراقية على يد عصبة الامم الى يومنا هذا ونحن نعيش في سلسلة من المشاكل الداخلية التي لاحصر لها، فما هو السبب في ذلك؟
حسب مايراه بعض المفكرين والسياسيين ان السبب في ذلك يعود الى طبيعة مكونات هذا النسيج او الخليط الاجتماعي الذي اثبت عدم توافقهم وانصهارهم مع بعضهم وبالتالي فشل المشروع الاممي في تأسيس دولة متعددة الأطياف والاعراق رغم توفر مؤهلات النجاح لهكذا مشروع وفي مقدمتها العامل الاقتصادي وتنوع مصادر الثروات لهذا البلد والتي إن أستغلت بشكل نزيه لأصبح العراق في مقدمة الدول الاكثر ثراء في العالم. لنعود الى اصل موضوعنا ونرى كيف شَخَصَ بعض القادة والمفكرين اسباب ديمومة هذه النعرات الطائفية في العراق.
اذ قال الملك فيصل الاول حول ذلك وهو دون شك من أوائل من قدم دراسة او تعريفا للشعب العراقي في التأريخ الحديث عندما قال ((أقول وقلبي ملآن أسىً… إنه في اعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد تكتلات بشرية خيالية، خالية من أي فكرة وطنية، متشبعة بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمع بينهم جامعة، سمّاعون للسوء ميالون للفوضى، مستعدون دائماً للانتفاض على أي حكومة كانت، فنحن نريد والحالة هذه أن نشكل شعبا نهذبه وندرّبه ونعلمه، ومن يعلم صعوبة تشكيل وتكوين شعب في مثل هذه الظروف يجب أن يعلم أيضا عظم الجهود التي يجب صرفها لإتمام هذا التكوين وهذا التشكيل.. هذا هو الشعب الذي اخذت مهمة تكوينه على عاتقي)).
هذا ما قاله الملك في عام 1921 م واليوم وبعد مرور عقود لايبدوا هناك أي تغيير يفند ما قاله الملك !!!
كما خلص أحد الوزراء السابقين المشكلة في العراق في كون جميع السياسيين العراقيين لا يرغبون بالافصاح عن الطائفية والقومية العنصرية التي تحرك كل تصوراتهم وتطلعاتهم السياسية، ولهذا دعاهم الى انتهاج الشجاعة والصراحة والاعتراف امام العالم وبصوت عال وامام الشعب العراقي بأنهم اما ان يكونوا طائفيين وأنَّ مصالحهم الطائفية والقومية هي ما يحرك كل انفعالاتهم السياسية والايديولوجية، واما أنهم وطنيون فعلاً، وللوطنية استحقاقاتها والتزاماتها التي ينبغي ان تسود في النهاية على تطلعاتهم وخطاباتهم وخططهم الواقعية. ولهذا وتدعيما لرؤيته بان العراقيين بساستهم شعب لا يؤمن الاّ بالطائفية والقومية وانهم لا يستحقون ان يطلق عليهم اسم الشعب لانقساماتهم الحادة منذ نشأة الدولة العراقية الحديثة في سنة1921م وحتى هذا اليوم والناس مفهوم الوطنية، والمواطنة غائب عنهم ابداً، بل وكأنما الزمن قد توقف بنا منذ عام 1921 الى يومنا هذا.
كما تناول المفكر العراقي الكبير (علي الوردي) ايضا هذا الموضوع وقد علل الاسباب الى تركيبة الفرد العراقي المتكون من انتسابه الى مجتمع البداوة الذي ينصدم بميوله نحو التحضر لذا تحدث التصادم والتناقض...
وبحكم تجربتنا والوقائع التي مرَت بنا نجد ان غالبية المجتمع او مكونات الشعب العراقي ميال الى التشكيك وتخوين الطرف الآخر ومؤمن بنظرية المؤامرة، لا لشيء سوى لأبداء المعارضة حول خطوة او موضوع ينوي الطرف الآخر او شريكه في الوطن ان يَقدُم عليه.
وهذا ما لمسناه كثيرا في الآونة الأخيرة خاصة مع المحنة الراهنة، اذ رغم ان اقليم كوردستان وكموقف انساني تجاه شركائهم استقبل مئات الآلآف من النازحين، الا انهم ادعوا بأن الاقليم يستفيد منهم ماديا !!! حسنا ان كان ادعائكم صحيحا فلماذا لاتأخذون خيراتكم واموالكم الى باقي المدن العراقية بغداد مثلا والاقربون اولى بالمعروف؟؟؟
كما انهم يعيدون السيناريو ذاته عندما يطلبون من قوات البيشمركة تحرير مدنهم من سيطرة داعش ثم يعودون سريعا ويشككون في النوايا ويحيكون آلاف السيناريوهات التي لاوجود لها الا في مخيلتهم المريضة بمرض الشك والمؤامرة، ومن المؤسف جدا ان نجد هذا المنحى والتوجه لدى السياسيين أيضا وخير مثال على ذلك امتناع الحكومة العراقية من تسليح البيشمركة بسبب نظرية المؤامرة التي تؤمن بها الحكومة...
ولا ننسى ان بعض السياسيين يعملون على ترسيخ نظرية الشك والمؤامرة خدمة لمصالحهم الشخصية دون الالتفات الى المصلحة العامة ويعتبر هذا من اخطر انواع التلاعب بالمشاعر، اذ انه يرسخ الوهم ويعمق الانشقاقات لا لشيء سوى لتحقيق غاية آنية.

من كل ذلك نستنتج بأن تجربة عصبة الامم في انشاء دولة متعددة الاعراق والمذاهب كالعراق و سوريا قد باءت بالفشل ولايمكن ان تنجح هكذا تجربة في مجتمع مبني على حب الذات والاستعلاء الذي يخص به كل مكون نفسه عن الآخر، فمنذ عام 1921 والمشكلة نفسها دون تغير كأنما الزمن قد توقف عندها فالمشاكل التي نعاني منها اليوم هي ذات المشاكل التي كانت موجودة قبل عدة عقود .
Top