مأساة حلبجة .. وامتحان الضمير الإنساني...احمد فيلي
مع وقوع الجريمة في 16-3-1988 الساعة الحادية عشرة صباحا، هرع العديد من المراسلين الاجانب والايرانيين، المتواجدين في المنطقة لمتابعة الحرب العراقية - الايرانية، للوصول الى المدينة المنكوبة، وتمكن بعضهم من تصوير لحظات احتضار ووفاة الضحايا والجرحى، والهلع والخوف المخيم على الناجين الهاربين، فضلاً عن الافلام الوثائقية المُعّدة، وخاصة التلفزيون الايراني الذي اخرج فلمين وثائقيين عن الفاجعة، وزع المئات منهما على شبكات التلفزة العالمية، ومراكز الدراسات الاستراتيجية ووزارات الخارجية للكثير من الدول.
كانت المشاهد في احد الفلمين مرعبة ورهيبة، ومن النوع الذي كثيرا ما يتجنب عرضه، خشية ان يصاب الاطفال ومرضى القلب والعوائل بالهلع.
من الامور الاخرى، أعّد المراسلون في موقع الفاجعة مجموعة صور فوتوغرافية مؤثرة، وكلها شاهد على الجريمة التي تدحض بالوقائع كل الاكاذيب والاباطيل، بشأن عدم أمتلاك النظام البعثي البائد، اسلحة الدمار الشامل التي قبرته فيما بعد، عندما اصبحت مطلباً اممياً.
من صوت الضمير العالمي، حديث بروفيسور ايطالي عن هول المأساة، حين دعا بعد ثلاثة ايام على المأساة الى شن حملة عالمية مندّدة وتسمّية يوم 16 من آذار، مناسبة مأساة حلبجة، باليوم الاول العالمي لتحريم انتاج الاسلحة الكيمياوية وغيرها من اسلحة الدمار الشامل واتلاف كل مخزوناتها فوراً .
وبتنا نجّدد صرخة الحق والوجدان مع كل 16 آذار من كل عام، ونسعى لتجديد هذه الدعوة العالمية كي لا تتكرر المأساة في أي مكان من العالم.
توالت الادانات والاحتجاجات العالمية من مختلف الاوساط الشعبية والثقافية في نواحي المعمورة، وتشكلت لجان تضامن مع الشعب الكوردستاني ضحية القصف الكيمياوي الاجرامي.
دوليا، استنكرت هذه الجريمة النكراء برلمانات عدد من الدول الاوربية ووزارات خارجيتها، ورفعت الاوساط الشعبية فيها اصواتها العالية المنددّة، لكن الموقف الرسمي العالمي لم يكن بمستوى الحدث، أذ اعتراه التعتيم والفتور، لكنه لم يستمر طويلا في سباته الذي ايقظه الغزو العراقي للكويت، لتبدأ ماكنة اعلامه بضخ فصول المأساة ليس في حلبجة وحدها، وانما لخمس وسبعين قرية وبلدة وموقعاً في محافظات كركوك واربيل والسليمانية.
يكشف حجم التعتيم على الحقائق مقدار الاذى والضرر الذي لحق بالكورد من جهة، وضريبة الصمت والسكون وتأثيرهما على الامن الدولي .
عربياً، عبرت العديد من حركات التحرر العربية عن شجبها الشديد للجريمة الوحشية، وعن تضامنها مع الضحايا، وعرض التلفزيون السوري في اول عرض عام مشاهد المجزرة في عاصمة عربية أواخر عام 1990، بطلب من سفارة دولة الكويت التي تعاونت معها مكاتب الاحزاب الكوردية. عادت دول مجلس التعاون الخليجي، بعدها تصوير عشرات الالاف من اشرطة فديو من الفلم الوثائقي عن المأساة، ووزعتها بين الكثير من دول العالم، وقد شاهدها العشرات من الدبلوماسيين والوزراء والمراسلين، الذين أبدوا استغرابهم من وقوع الجريمة ومسرحية السكوت عنها.
عبرت الكثير من الاوساط الثقافية والفكرية العربية من القوى الديمقراطية واليسارية، ومن الأدباء والكتاب والروائيين والفنانين العرب من مختلف البلدان العربية، ومن دول المنافي عن ادانتهم الشديدة، وأصدروا بيانات جماعية ومنفردة بذلك. وران الصمت على النظام السياسي الرسمي العربي والاقليمي باستثناء جمهورية ايران الاسلامية، ويبدو ان نظرية التخادم السياسي في التغطية على جرائم الابادة الجماعية من هذا النوع، دشنت المنطقة في اجواء اعتداءات وتهديدات لاحقة، اقلقت عواصم المنطقة، وهذا ما يؤكد ضرورة ادانة الاعمال الاجرامية الوحشية من هذا النوع، بصورة جماعية تضامنية من منطلق الحقوق والانسانية، التي تحتج بها اية دولة عند تعرضها لأخطار مشابهة في اطار المنظمة الاممية .
في مفارقة تاريخية، عدّت مجزرة حلبجة احدى اقوى الحجج لإدانة النظام البائد، خاصة بعد احتلال دولة الكويت، وبالتالي تشكيل تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة لتحريرها عام 1991، حين انعقد مؤتمر قمة الدول الاسلامية الذي انتظم في الكويت عام 1988 بعد ايام من المجزرة، لم يتطرق الى المأساة ولو ببنت شفة، لا من قريب ولا من بعيد.
عراقياً، كان مجلس الحكم اول سلطة عراقية رسمية دانت الجريمة ودعت الى اعمار مدينة حلبجة، واصدر المجلس بياناً في 13 آذار عام 2004، اكد فية دعمه لحكومة الاقليم في اعادة اعمارها، كما حيا شهداء حلبجة الابرار حيث جاء في البيان:- (ان حلبجة ستبقى في عقول وضمائر العراقيين رمزاً لتجسيد وحشية النظام البائد، وصمودها محل فخر العراقيين جميعا ولجميع محبي الحرية والطمأنينة والسلام في العالم. وأملاً في العهد الجديد بان مثل هذه الاعمال الفظيعة لامجال لها في القرن العشرين ولا محل لها في ظل عراق ديمقراطي تعددي فدرالي يعامل مواطنيه بعدالة ومساواة كاملة بغض النظر عن دينهم وقوميتهم ومذهبهم. مضيفا: (ان مجلس الحكم لا يشك لحظة واحدة بأن حكومة الاقليم ستبذل قصارى جهدها لاستعادة حلبجة سابق عهدها في العمران والازدهار والطمأنينة). قل الاهتمام بمأساة حلبجة ومضاعفاتها طوال السنوات الماضية من النواحي الانسانية والقانونية، التي ختمت مع الاسف بعراقيل الحكومة الاتحادية لجعلها محافظة .
ومرة اخرى تخفق التجربة السياسية العراقية الجديدة في امتحان الوفاء للنضال والانسان والتضحية. تاريخياً، تعد حلبجة اكبر مركز قضاء في جميع انحاء العراق، وهي مدينة ذات طبيعة خلابة، غنية ومسالمة. شهدت ازدهاراً في مجال العلم والادب والفن حيث شهد القرنان التاسع عشر والعشرين ظهور مفكرين وادباء كبار في مقدمتهم مولانا الشيخ خالد النقشبندي مجرد الطريقة النقشبندية وشعراء امثال محوي وممولي وعبد الله كوران الذي ترجمت اعماله الشعرية الى العربية وهي ما ادخلته في قلوب محبي شعره في مختلف البلدان العربية. تقع حلبجة في سهل شهرزور احد السهول النادرة في العالم لخصوبته العالية، امّا موقعها قديماً، فأنها توسطت السهل المذكور، وتميزت بالعمران والازدهار الذي اشاد به البلدانيون والسياح الاقدمون، وذكروها في كتاباتهم .
تعرضت المدينة في التاريخ السحيق قبل الميلاد، الى حملة ابادة شاملة على يد هرقل، ثم جاء زالزال مدمر قضى عليها. لم تسلم مدينة حلبجة من ويلات النهب والابادة التي سحقتها بالفقر والتراجع بعدما كانت مزدهرة زراعياً وتجارياً وثقافياً .
شن عليها طيران النظام البعثي غارات مكثفة عام 1974 خلال اندلاع نيران ثورة ايلول مجددا، ما ادى الى استشهاد العشرات من سكانها الآمنين وتعرضها للخراب، ولم يثن ذلك اهالي المدينة، مثلما لم تثنهم كل الصعاب عن تقديم المناضلين ورجال المقاومة، الذين سطروا اروع الصفحات، التي سيذكرها التاريخ الكوردستاني بفخر واعتزاز، فقد انتفضت ضد النظام البائد مرارا وتكرارا على مدى اعوام متواصلة، فقد انتفضت عن بكرة ابيها في نيسان 1983 وفي عام 1984 وعام 1991.
يعاني الكثير من سكانها حتى اليوم، من اثار التعرض للغارات والاسلحة الكيمياوية، وقد زارتها وفود طبية دولية، سجلت فيها عدداً خطيراً من الامراض المتوارثة، وهي نتيجة لاثار الاسلحة الكيمياوية، كما لاحظت تشوهات خطيرة في الاطفال المولودين حديثاً، وامراضا سرطانية وجلدية فظيعة، يتجرع السكان الآلام المزمنة من دون علاج، ما يؤكد حاجاتها الى علاجات طبية متواصلة. وهناك عدد من المؤسسات الطبية الدولية والعسكرية، تراقب وتدرس حالات السكان لمعرفة التأثيرات الناجمة عن هذه الاسلحة على صحة الانسان.
استهداف مدينة حلبجة وقصفها بالاسلحة الكيمياوية، لم يكن الاول من نوعه ضد الشعب الكوردستاني، أذ سبق ان استخدم النظام البعثي الاسلحة الكيمياوية والجرثومية بنحو عام، بهدف كسر المقاومة الكوردية، فقد سبق للنظام، ان هاجم منذ ايار 1987 وفي عمق 150 كيلو مترا، وبعيداً عن خط جبهة الحرب العراقية الايرانية، قرى وقصبات كوردية عديدة، فقرية (شيخ وسانان)، وملكان وغيرها قرب حرير تعرضت الى قصف كيمياوي، ما اودى بحياة 200 مواطن من السكان الابرياء، وتعرضت مناطق قرة داغ وغيرها في مثلث كركوك السليمانية وبعقوبة الى ذلك، واستمرت عمليات القصف التي طالت اقضية ونواحي بنجوين وماوت، فضلاً عن مدينة (سردشت) الكوردية الايرانية. استمر النظام البعثي البائد في قصف المدنيين من السكان بعد توقف الحرب الايرانية، ففي 25 آب 1988 قصفت الطائرات بالكيمياوي 19 قرية وموقعاً في محافظة دهوك راح ضحيتها العشرات من الشهداء والجرحى، وعموماً يزيد عدد القرى والبلدات والمواقع التي تعرضت للقصف الكيمياوي في نيسان 1978 حتى آب 1988 عن 75 موقعاً وبعض الضحايا لا يعرف حتى الآن اين وكيف دفنوا.
واليوم، اذ يقف الناس حداداً لعدة دقائق ترحماً على ارواح شهداء حلبجة، وكل شهداء القصف الكيمياوي والابادة الجماعية الهمجية، فانهم يواسون انفسهم وابناء شعبهم وجميع ضحايا مثل هذه الجرائم البشعة المرتكبة بحق الانسانية
