• Tuesday, 03 February 2026
logo

في ذكرى رحيل الخالد الذي ظل مؤمنا بالتسامح والعفو عند المقدرة *...صبحيي ساليي

في ذكرى رحيل الخالد الذي ظل مؤمنا بالتسامح والعفو عند المقدرة *...صبحيي ساليي
لم تبك الامة الكوردية في حياتها، كما بكت يوم رحل البارزاني مصطفى، في الاول من آذار عام 1979، في ذلك اليوم بكى شعبنا من أقصى كوردستان الى اقصاها حزنا وألما.. وودعوا فيه رمزهم الخالد وقائدهم العظيم الذي لم تغب عن باله الثورة وكذا النضال، والذي كان يتمتع بكل الصفات الانسانية والسمات القيادية الرفيعة من ذكاء وحكمة وقدرة عالية على إدارة الازمات والتعامل معها بحنكة واصرار لا يلين.
من يريد أن يتحدث عن الكورد كشعب، لابد أن يذكر البارزاني الخالد الذي رفض الصهر القومي والتغيير الديموغرافي والعنصرية والشوفينيات الضيقة، واستنكر ممارسات الانظمة الخارجة عن القانون التي تعاقبت على كراسي الحكم في بغداد، وثار ضد كل حملات الابادة التي إستهدفت الكورد، البارزاني الذي قاد خلال سنوات عمره ثورات قومية متتالية، وناضل طويلا وقاوم الظلم والعدوان والدكتاتورية، وأسس حزباً سياسياً كوردستانياً قدم الكثير من التضحيات من خلال حركة تحررية وطنية، كما أسس مدرسة نضالية لها تقاليدها وأخلاقها وجذورها وقيمها التي تغلغلت داخل النسيج الاجتماعي لشعبنا الكوردستاني واستقرت في وجدانه.. البارزاني الذي يمتلك سيرة حياة حافلة بالبطولات والتضحيات والمنعطفات، والتي هي استثنائية بالمطلق, قياسا بسير العشرات من قادة الحركات التحررية في العالم، ففي رياع شبابه شارك في ثورات بارزان المتتالية، وعندما أعلن عن قيام أول جمهورية كوردية في التاريخ، في مهاباد برئاسة الشهيد الخالد قاضي محمد، كسر الخالد ورفاقه طوق الحدود وأتجه الى هناك لأجل مساعدة تلك الدولة الفتية والدفاع عنها، وشارك بفعالية بالغة في وضع اللبنات الاساسية الاولى لها، ولعب وقواته دورا فعالاً ومشهوداً في الدفاع عنها. ومن هناك أسس (الحزب الديمقراطي الكوردستاني). وعندما عقد المؤتمر الأول للحزب يوم 16/8/1946 في بغداد، تم انتخابه رئيساً له.
وبعد تعرض جمهورية مهاباد لمؤامرات التحالف الاقليمي- الدولي- الايراني، وإجهاض الجمهورية الفتية، رفض البارزاني الاستسلام للقوات الغازية، فجمع قواته وأبلغهم بقراره الحاسم بالقتال وباللجوء إلى الاتحاد السوفيتي، وبذلك بدأت المسيرة التاريخية للبارزانيين إلى الاتحاد السوفيتي وهم يقاتلون القوات العراقية والقوات التركية التي لاحقتهم دون جدوى والقوات الإيرانية التي إحشدت لمحاربتهم ومنعهم من الوصول الى شواطىء نهر آراس، فتصدوا للجيش الإيراني ببسالة و كبدوه خسائر فادحة وفي يوم 16/6/1947 حصلت موافقة الاتحاد السوفيتي على السماح لهم باللجوء الى هناك، فبدؤوا بعبور نهر آراس، وفي يوم 18/6/1947 عبرت النهر آخر مجموعة ومعها البارزاني الخالد. وأثناء فترة وجوده في الاتحاد السوفيتي السابق في الفترة الواقعة بين (1947- 1958 ) لعب دور السفير الواعي والمقتدر لشعبه وكانت لديه علاقات متينة مع عدد من الشخصيات المهمة والزعماء في العالمين الاشتراكي والثالث.
بعد إنطلاق ثورة 14 تموز1958 عاد البارزاني الخالد ورفاقه الى العراق ليدعم الثورة ضد المؤامرات الدنيئة التي استهدفت النيل منها، وعمل بهمة ونشاط ووقف إلى جانب حكومة ثورة 14 تموز التي اقرت بشراكة العرب والكورد في الوطن العراقي في المادة الثالثة من الدستور المؤقت، وحصل الحزب الديمقراطي الكوردستاني على اجازة العمل العلني. الا ان الرياح لم تجر كما تشتهي السفن، حيث تمكن الحاقدون على ثورة تموز والمتربصون بالاخوة العربية- الكوردية من دق الاسفين بين حكومة الثورة وبين القيادة الكوردية، ودفعوا الزعيم عبد الكريم قاسم الى التضييق على الحزب الديمقراطي الكوردستاني، واعتقال شخصيات قيادية منه، فضلا عن ممارسة إجراءات أمنية وعسكرية معادية، كما تسببوا في تراجع الزعيم عبد الكريم قاسم عن الاقرار بحقوق الشعب الكوردي، مما اضطر القيادة الكوردستانية بقيادة البارزاني الخالد الى إعلان الثورة على حكومة قاسم يوم 11 ايلول 1961، التي عرفت فيما بعد بثورة أيلول التي رفعت شعار الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكوردستان، والتي تعتبر أطول ثورة كوردية في تاريخ الكورد وأعظم حركة قومية تحررية، ثورة عارمة تميزت خلالها العلاقات العربية – الكوردية بخصوصية كبيرة إستندت على أسس التلاحم المصيري المشترك، والرغبة الصادقة في نبذ الاستبداد ومقاومة الطغيان والتطلع إلى الحرية، ثورة إشترك فيها الكوردستانيون جميعا، وأدار البارزاني الخالد فيها المعارك البطولية والجولات التفاوضية مع الحكومات المتعاقبة في بغداد بحكمته وصبره الذي أذهل العدو قبل الصديق، لأنه كان صاحب نهج ثوري فريد من نوعه في منطقة تعصف بها الكوارث والمحن، وكان بإدراكه الواسع وتقييماته الواقعية للأحداث والمستجدات وتفهمه العميق للعراقيل والمعوقات، وطريقة تجاوزها بذكائه الفطري وحكمته ومثابرته، يستطيع تجاوز المحن.
ثورة أيلول أرغمت حكومة البعث في ١١ اذار من عام ١٩٧٠ على التوقيع على اتفاقية أقرت بموجبها بشكل رسمي الحقوق الاساسية للكوردستانيين. ولكن بعد مرور فترة قصيرة على توقيع الاتفاقية، تخلى البعث عنها وتنصل من بنودها. في المقابل حاولت القيادة الكوردية جاهدة وخلال السنوات الأربع التي تلت صدور الاتفاقية أن تجعل الحكومة العراقية ملتزمة بوعودها وتعهداتها ولكن الأحداث كانت يوماً بعد يوم تظهر سياسة المؤامرات والمخادعات المتتالية التي تبنتها الحكومة البعثية من اجل إفراغ الاتفاقية من محتواها، وتمكين الجانب العسكري، وقد كشفت الوثائق أن الحكومة العراقية وقعت على الاتفاقية وهي في أشد حالات الضعف العسكري، وكانت تقترب من الإنهيار الكلي أمام ضربات وتقدم البيشمركه الأبطال وتطبيقتهم للخطط العسكرية للقائد المحنك البارزاني الخالد.
وبعد اربع سنوات من الهدنة والاستقرار النسبي، بدأت القوات الحكومة بمهاجمة قوات ثورة أيلول، و في محاور عديدة إستخدمت كل ما لديها من قوة وسلاح فتاك، إلا أن البيشمركه الأبطال تصدوا لها ولقنوها دروساً بليغة، وعندما فشل العدو في ميادين القتال لجأ كعادته الى أساليب الغدر والخيانة والخبث حيث نجحت مساعيه في الوصول الى إتفاقية الجزائر الخيانية يوم 6/ آذار/1975 مع شاه إيران، والتي بموجبها تنازل العراق عن نصف شط العرب للحكومة الإيرانية مع بعض المساحات الحدودية المهمة مقابل قطع الإمدادات عن ثورة أيلول وبذلك وجهت طعنة غادرة بخنجر مسموم نحو ظهر الحركة التحررية الكوردية في كوردستان و توقفت عجلة ثورة أيلول و دخل الشعب الكوردي في فترة مظلمة لم يشهد له تاريخ الكورد مثيلا منذ قيام الحرب العالمية الأولى، فقد تعرض الكورد على يد السلطة الفاشية الى العنف والتعذيب والتعريب والتبعيث والترحيل القسري و سيق آلاف الشباب الكورد الى المشانق و تم تدمير الآلاف من القرى وتسويتها بـ الأرض، وتم تجميع سكانها العزل في مجمعات قسرية وكنتيجة حتمية و كرد فعل لما تعرض له الكورد على يد الأعداء، فقد اندلعت ثورة كولان التقدمية في 26/ أيار/1976 إمتداداً لثورة ايلول التحررية.
بعد مؤامرة الجزائر عاش البارزاني الخالد في إيران فترة من الزمن تحت المراقبة، ثم غادرها متوجهاً الى الولايات المتحدة الأمريكية للعلاج و ظل هناك الى أن وافاه الأجل المحتوم يوم 1/3/1979 ونقل جثمانه الطاهر الى شرق كوردستان حسب وصيته، وقد اهتمت كل وسائل الإعلام العالمية بنقل أخبار وفاته و مراسيم تشييعه. وبعد الانتفاضة الآذارية العارمة في 1991 وبإلحاح من أبناء شعبنا الأوفياء للبارزاني ولنهجه الخالد فقد تقرر نقل جثمانه الطاهر الى مسقط رأسه في بارزان.
اليوم في ذكرى وفاة القائد الخالد لا بد أن نقول، إن الخالد جمع كل الصفات الرفيعة والارادة السامية، والريادة الشجاعة في شخصيته العظيمة، وكان عزيز النفس, شديد التواضع والمتسامح الذي يتمتع بشخصية جذابة يحترمها الجميع، وكان يحب الضيوف ويكرمهم انسجاما مع التقاليد العشائرية للكورد، والقائد الذي يفكر دائما بقضية شعبه من منطلق الحكمة والصبر والثقة بالنفس، والرافض لسياسة العنف والتطرف وجميع انواع الإغتيالات السياسية والممارسات الإرهابية، والقائد السياسي الذي لا يقبل أي تصرف يدل على الغدر مثل تلفيق تهم الخيانة.
وأخيراً لابد من القول، إن البارزاني الخالد كان عظيماً في حياته، وسيبقى عظيماً لكونه كان رمزاً ليس لشعب كوردستان فقط، بل لكل الأحرار في العراق والعالم، ولكل المظلومين الذين أرادوا ان يروا عصر الإنعتاق والحرية .ولابد أن نقول، لقد أدى الامانة وكان وفياً للرسالة امام الله وامام الشعب الذي لا ينساه ابداً ..
Top