• Wednesday, 04 February 2026
logo

الدولة والهيبة......................جمال جصاني

الدولة والهيبة......................جمال جصاني
ان هيبة الدولة في عالم القرية الكونية يمر عبر طريق واحد، هو خدمة المواطن والارتقاء به مادياً وروحياً، ومثل هذه الوظيفة أو العلاقة نجد الاشارة لها عند أحد أكبر المهتمين بأمر الدولة وعلاقتها بالناس ووظائفها أي نيقولا ميكافيللي في مؤلفه الشهير (الأمير) عندما يلفت اهتمام السلطة الى نوع العلاقة التي تربطها والرعية بوصفها سر قوة الامارة أو هشاشتها وضعفها.


ما زالت المفاهيم البالية عن الدولة وهيبتها تستمد حيويتها من مناخات وقيم القرون الوسطى وما قبلها السائدة في غير القليل من ولايات هذه الاوطان القديمة. ما زالت هيبة الدولة تعني للغالبية العظمى من شعوبها وقبائلها؛ القدرة على البطش والقسوة في التعامل مع كل من يخطر بباله التعرض لهيبة الدولة المبجلة، والى غير ذلك من معاني فقه ذات الشوكة وما يتجحفل معه من مواهب وتقنيات في مجال الفتك ومحق الآخر المختلف. صحيح ان البعض منا قد بز صناع ومهندسي المفاهيم الجديدة عن الدولة، طبيعتها ووظائفها في عالم اليوم، وفي ولعه وانتصاره لتلك المنظومة الجديدة (دولة المواطنة والرفاهية والخدمة العامة..) على المستوى النظري وورش اعادة انتاج الشعارات الأشد حماسة للديمقراطية والتعددية والحريات، لكن الواقع العنيد يصر على بهذلتنا عند شتى المنعطفات التي تواجهنا في مسيرتنا المباركة هذه. وبعد كل خيبة وفشل في هذا المجال الحيوي أو غيره من المجالات، نجد انفسنا نلوذ بترسانة الذرائع والمبررات ذاتها، والتي تلقي باللائمة على القوى الخفية التي تناصبنا العداوات التاريخية العابرة لزجر الزمان والمكان. طبعاً الأمر لا يخلو ممن يشذ عن هذه الثوابت الخالدة، الذين يلتمسون دروباً اخرى في فهم هذا العالم المتغير ابداً، ويتعاطون مع مثل هذه المفاهيم بوصفها نتاج حاجات البشر المتغيرة والمتعاظمة، حيث الدولة اليوم غير تلك التي كانت عليه لا قبل ألف عام وحسب بل هي اليوم لا تشبه ماكانت عليه قبل عقود قليلة. التحول الاساس يكمن في ان هيبتها صارت انعكاساً لهيبة رعيتها بعد أن انكمشت جوارحها لصالح الوظائف الخدمية ورعاية عيال الله الذين وصلوا الى سن التكليف (المواطن) بعد سلسلة من الثورات والفتوحات العلمية والقيمية والتي تصدى لها الأشقاء في نيجيريا تحت لواء (بوكو حرام)..!
ان الاصرار على اقتفاء خرائط الضياع الشامل في بناء الامم والدول، وعدم التصدي لمنهج الغرور والجهل والغطرسة الذي فرض هيمنته مجدداً عبر القوافل التي لا تطيق أي شكل من اشكال الحداثة والبدع (البوكو) يعني اننا عازمون على تجفيف آخر منابع الهيبة في مضارب الدولة والرعية.
Top