• Wednesday, 04 February 2026
logo

ربما أربيل.. بغداد وما بينهما؟................علي عبد العال

ربما أربيل.. بغداد وما بينهما؟................علي عبد العال
مضى قرابة العام على آخر زيارة لي للعراق؛ وكما في كل مرة أجد عاصمة إقليم كردستان مدينة لا أعرفها جيدا كما غادرتها آخر مرة، وأجد بغداد هي هي كما تركتها آخر مرة كذلك. لكن شتان بين المدينتين. فأربيل تنمو وتتطور وتتألق ضمن سياق متواتر وسريع على إيقاع عصري حديث بعمارة المدن والطرقات والمرافق الخدمية والترفيهية،

ضمنها الخدمات الطبية بجميع الإختصاصات التي جعلت من المدينة قبلة للزوار والمرضى والباحثين عن قليل من الراحة في عراق اليوم الذي يسبب القلق والتوتر والخوف والأمراض النفسية المزمنة. بينما لاتزال بغداد تمارس طقسها اليومي الكئيب بعيدا عن العمران الحديث والتنمية والخدمات الضرورية وهي تعوم على مساحات شاسعة من الوحول ومخلفات الأمطار في الأحياء الشعبية الفقيرة.
أربيل تتألق وتزهو بأنوارها في الليل بينما تتلفع بغداد بخوفها وشحوبها الموحش في المساء المبكر وعدم وضوح الرؤية فيها واقعا ومجازا. مازال المشي في شارع الرشيد، على الأخص، يجّرح الروح ويدمي القلب وهو يغص بهذه الأكوام الهائلة من الأزبال المخيفة المقززة، وتلك المباني المهلهلة الآيلة للسقوط، وأولئك البشر من الباعة الجوالين بعرباتهم وأعمارهم المهدمة يضفون آخر لمسة من الكآبة على هذا المشهد الغريب الثابت وغير المتحول كلوحة بائسة في متحف الظلام.
مع كل الحنين الجارف لبغداد الحبيبة، والحب القديم الراسخ في الأعماق، لا يستطيع الوجدان تحمل مثل هذا التصميم الأعمى على الإهمال كما لو أن بغداد والبشر فيها خارج نطاق التاريخ و الزمان. وكان يوم جمعة من أيام الأسبوع، الهواء منعش على جسر الشهداء القديم، وشارع المتنبي يزهو برواده من المثقفين والكثير من المواطنين الذين أصطحبوا أطفالهم وأسرهم بموكب جميل للفرح والحب والجمال والثقافة. يستطيع مشهد شارع المتنبي أن يمسح عن الروح بعض الكآبة الخانقة، لكن ما أن تحل الساعة الثانية بعد الظهر حتى يتحول هذا المرفق الجميل إلى وحشة مفتوحة تجتاح النفس ويراودك السؤال الصعب: أين ستمضي بقية النهار؟
تذكرنا مقولة الشاعر المرحوم عزيز السماوي عن شارع الرشيد يوم الجمعة حيث قال ذات يوم من السبعينيات: "شارع الرشيد من أكثر شوارع العالم وحشة يوم الجمعة". هذا كان في أيام الخير، فما عسانا أن نقول اليوم والخراب يعم أرجاء المكان؟ مشيا على الأقدام حتى الكرادة داخل؛ حيث يتبدل المشهد تدريجيا، وترى الناس يتجولون بين المحال والمطاعم، وأصوات الباعة ترافق خطاهم الوئيدة لتحثهم على الشراء، فتعود البهجة رويدا رويدا "بالقطّارة" إلى الروح فيطيب الجلوس على مقاعد أحد المقاهي لتناول الطعام وسط الناس.


pna
Top