مرور بغداد من دون "بنزين"!!.........................جمال كريم
أن السيارات، هنا، في العاصمة البحرينية، المنامة، قليلة، بل قليلة جدا، لان أكثر سكان هذه البلاد وكما رأيت – بعين باردة – يمتلكون سيارات حديثة وفارهة مبردة. الشمس أخذت تشوي وجهي والرطوبة الثقيلة تقبض على أنفاسي، قبل أن يأتيني من جهة مدينة (المحرق) التاكسي المخلص!
قلت للسائق: الى منطقة (العدلية)...
- تفضل. قالها السائق بمنتهى اللياقة والاحترام، لكن تبريد سيارتي لا يعمل.
صعدت بجانب السائق المسرور باصطياده راكباِ مرميا على قارعة الرصيف خلف الجسر الفاصل بين (م الحسرة وم المرارة) على حد توصيف الصديق الشاعر قاسم حداد، والذي يعني به، المحرق والعاصمة المنامة، الحافلة بعمارتها الحديثة الخلابة، شعرت بالراحة بعد أن تنفست الصعداء، ما أن انطلقت بي التاكسي باتجاه مقصدي، ولم نقطع سوى بضعة أمتار، حتى أخذ السائق ينقل أسفه واعتذاره للعطل الفني الذي يحول من دون تشغيل التبريد. قلت له والدهشة بادية على محياي: ليس ذلك ضروريا الى هذا الحد!
لاحظت أنه أبدى استغرابا أكبر لاجابتي اللامبالية، ثم قال : أخي العزيز، اذا استوقفتنا أية مفرزة مرورية وساءلتني لماذا لا أشغل منظومة التبريد في السيارة مع أن راكبا قد استأجرها، فأرجو أن تعلمهم أنك اخترت الصعود بمحض ارادتك بعد درايتك بالعطل.. قلت: بكل سرور، وقد أخذني العجب العجاب والاندهاش والانبهار مما أرى وأسمع في واحدة من بلاد الله المرمية على وجه المعمورة، فشكرته مرتين، مرة، لما يكن من حب جم للعراق وشعبه وهو يدعو له بالامن والاستقرار والرخاء، واخرى لما يحمل من صدق والتزام واحترام لقوانين المرور في بلاده.
وماهي الا بضع مئات أمتار أخرى واذا بسيارة لامعة ونظيفة جاوزتنا وامرت السائق بالتوقف، حينها علمت انها مفرزة مرور وسألت السائق ما اخبرني، واجبتهم أنني اعلم انها من دون تبريد وصعدت بمحض ارادتي. اعتذروا بمنتهى اللياقة، وانطلقنا ثانية. اعيد تذكر هذه الحادثة لما حصل لي من موقف غريب، مضحكٍ ومبكٍ في الوقت عينه، في يوم الخميس الماضي الذي وافق الثامن والعشرين من الشهر الآفل، نعم. هو موقف يبحث على الحزن والالم والحسرة من جهة، مثلما يدعو الى الضحك والسخرية من جهة اخرى، إذ وأنا في طريقي الى زيارة أحد أصدقائي العائد من مهجره الاوروبي القصي، هاتفني زميل لي في الصحيفة يسألني عن مقال لم ينشر ، وبما أنني ممن يحترم قوانين المرور وضوابطها أوقفت سيارتي الى جانب مشتل من مشاتل زيونة لكي أجيب مهاتفي، واذا بسيارة مرور تمشي "الهوينا" من خلفي ورحت ارقب دبيبها من مرآة سيارتي، توقعت انها مفرزة تقوم في واجبها المعتاد ومراقبة السيارات المشبوهة من الملغمات والناسفات واللاصقات التي تزهق اروح مئات الابرياء من ابناء الوطن المبتلى بالارهاب، اوانها تراقب من يخالف تعليمات المرور من مراهقي السيارات، اقتربت السيارة اكثر، فتحسست انني ارتدي حزام الامان، وانني اجري اتصالي الهاتفي وانا متوقف الى جانب الطريق، ما ان أنهيت مكالمتي حتى حاذت سيارة المرور سيارتي وتوقفت، وترجل احد عناصرها وبادر بتحيتي ومثلها بادرت، لكنه اردف متسائلاً: حجّي عندك بانزين؟ اجبته: بالطبع ولو لم يكن عندي هل اكون قد خالفت قوانين المرور؟ ابتسم وقال لا حجي، لكن في الحقيقة نحن نحتاج الى خمسة لترات من البنزين لنفاده وانطفاء محرك سيارتنا. قلت لهم تفضلوا السيارة سيارتكم، فترجل الضابط والباقون ممن داخل عجلتهم، و"شفطوا" اللترات الخمسة واداروها في خزان سيارتهم "الظمآن" وانطلقوا مهللين فرحين وهم يلوحون بأيد ممتنة!!يااااااااااااااااااااااااااه ،سيارة مرور وربما هي مفرزة من دون بنزين!!، كيف لو وقع حادث وكان مسببه من ابناء الحرام ويلوذ بالسرعة هرباً؟
