العدالة الانتقالية في كوردستان والتغيير السكاني في العراق................... القاضي عبدالستار محمد رمضان رﯢﮊبـﻪياني
ومشاركا في مؤتمرين شهدتهما اربيل، الاول بعنوان (العدالة الانتقالية في اقليم كوردستان) نظمته الهيئة العامة لحقوق الانسان يوم الاربعاء 20 نوفمبر، والثاني مؤتمر(اصدقاء برطلة لمواجهة التغيير الديموغرافي) يوم السبت23نوفمبر، ورغم اهمية المواضيع والشجون التي اثاراها فان موضوع وهدف المؤتمرين يبدوان قريبان الى بعض بحيث وجدنا ان الكلام عنهما مرة واحدة يمكن ان يقدم تقييم موضوعي وعلمي لهما.
فهناك ارتباط وثيق بين العدالة الانتقالية والتغيير السكاني (الديموغرافي) في اي مكان في العالم،
لان العدالة الإنتقالية تعني او تشير الى مجموعة التدابير القضائية وغير القضائية التي قامت بتطبيقها دول مختلفة من أجل معالجة ما ورثته من إنتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
كما ان التغيير السكاني هو اوضح واكبر مثال على الانتهاك الصارخ والاعتداء السافر على حقوق الاسنان والجماعة التي ينتمي لها من حيث كونه اجراءات وقرارات على ارض الواقع تقوم بها سلطة ما او جماعة ما مدعومه بآليات واجراءات قوية على الارض من اجل احداث تغيير وتبديل الهوية القومية او الدينية او المذهبية او الاثنية لمنطقة ما لصالح جماعة اخرى.
فاذا كان التغيير السكاني هو الجريمة او الحدث الاول الذي جرى على ارض الواقع فان العدالة الانتقالية هي الاجراء او الحدث اللاحق الذي يجب البدء به والشروع باجراءاته بعد زوال الاسباب والظروف التي كانت قائمة وسائدة.
فالعدالة الانتقالية مطلوبة ومهمة لانها تتضمن مجموعة من التدابير والاجراءت السريعة والفعالة التي قد لا يوفرها او يستطيع توفيرها القضاء العادي المعروف باجراءاته وشكلياته المعروفة لمواجهة ظروف معقدة حدثت فيها مظالم وتجاوزات حادة ولا بد من اجراءات وتدابير سريعة تمثل في ابسط توصيف بانها تشبه الاسعافات الاولية او اجراءات الطوارئ في سبيل انقاذ ما يمكن انقاذه والحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه من النسيج الاجتماعي والتعايش السكاني المهدد بالحرب والصراعات المفتوحة على كل الاحتمالات، فالعدالة الانتقالية تسعى الى تحقيق اهدافها من خلال الملاحقات القضائية ولجان الحقيقة وبرامج جبر الضرر وتدابير إصلاح المؤسسات القائمة بحيث يمنع او لا يسمح مجددا بوقوع هذه التجاوزات والانتهاكات لحقوق الانسان -الفرد والجماعة.
فالعدالة الإنتقالية ليست بديلا او الغاءاً للعدالة المطلوب تحقيقها من قبل اجهزة العدالة القضائية ، بل هي اجراءات وخطوات سريعة ومطلوبة ومقاربة لتحقيق العدالة في فترات الإنتقال من النزاعات والحروب وقمع الدولة من خلال محاولة تحقيق المحاسبة للجناة والتعويض للضحايا فهي اعتراف بحقوق الضحايا وتشجّع مرتكبي التجاوزرات على الاعتراف وبناء الثقة المدنية وهي طريق ناجح لغرض بناء مجتمع معافى بعيد عن الحزازات والثارات ومثيري النزاع والصراعات وهي عامل قوة لسيادة القانون وبناء الديمقراطية التي تحتاجها شعوبنا وبلادنا المبتلاة بكل الوان وصنوف وصور الدكتاتورية والسلطوية التي تحاول ان تجعل المجتمع والناس يسيرون ويفكرون بصوت ولون واحد لمصلحة جماعة و مكون وحزب وشخص واحد.
الى ان هناك اشكالية او امر ربما غاب عن منظمي المؤتمرين اعلاه حينما وجدنا الخطاب التصعيدي ومرافعات الاتهام الى الجانب الآخر، اي الى مكونات وجهات كانت غائبة او كان حضورها قليلاً في المؤتمرين.
فمؤتمر العدالة الانتقالية ذهب بعيداً عن العنوان الذي عقد من اجله وناقش مواضيع هي اقرب الى الاصلاح المطلوب تحقيقه في الاقليم ، وهي لا تمت بصلة الى العدالة الانتقالية التي بدا بعض الحضور مع الاسف غير ملم بها او هو حاضر من اجل ملأ الفراغ ليس الاّ، فدعوات الغاء بعض القوانين مثل قانون الارهاب ليس محلها في مؤتمر يبحث تحقيق العدالة الانتقالية، كما ان تفعيل القوانين والمطالبة بتشريع قوانين جديدة ليس هو المطلوب من مؤتمر يعقد لمدة ثلاث ساعات في حين المؤمل منه ان يبحث آليات وطرق وبرامج تنفيذ برنامج العدالة الانتقالية في الاقليم والعراق اللذان هما بعيدان كل البعد عن تحقيق العدالة القضائية فكيف يمكنهما تحقيق العدالة الانتقالية؟!!.
اما مؤتمر اصدقاء برطلة والذي وضع اكثر او اغلب ما يقع على المسيحيين من ظلم او تغيير ديموغرافي(سكاني) في مناطقهم على الشبك فقد نسى او تغافل الاخوة المتحدثون ان الشبك يتعرضون لحملات قتل وابادة وتهجير وقلع من الموصل اكثر من اي مكون او جماعة في العراق، وهم يتحملون هذا القتل اليومي بسبب كونهم كورد القومية وشيعة المذهب فهم يحملون شبهة القومية والمذهب وهم عندما يهاجرون او يأتون الى برطلة فانها المكان الطبيعي لهم كونها الاقرب والمجاور والممكن للفقراء ومحددودي الدخل، والا فاين يذهبون والكثير منهم لا يملك احيانا ثمن اجرة السيارة التي تقله هربا من الموت والاغتيال في الموصل.
العراقيون مظلومون وكلهم يتبادلون دوري( الظالم والمظلوم ) وهم المعذبون في هذه الارض وبدلاً من القاء التهم والذنب على بعضنا البعض فان الاجراء الصحيح والواقعي هوان نتقبل بعضنا بعضا على ما نحن فيه وان على المثقفين واصحاب المؤتمرات ان يقوموا بخلق الوعي وبناء جسور التقارب والقبول والثقة والخطاب العقلاني الذي يؤمن بان العراق للجميع وان برطلة وعنكاوا فيهما حق للمسلم والشبكي مثلما هناك حق للمسيحي في النجف والسليمانية والاستفادة من التجربة الكوردية ومنهج التسامح والمحبة والاخاء الذي يجعل من اربيل وكل مدينة كوردستانية تحتضن على ارضها بشراً من شتى الاجناس والقوميات والمذاهب وهي لا تنظر اليهم الا على اساس احترام الانسان لاخيه الانسان.
نائب المدعي العام
أقليم كوردستان -العراق
