• Wednesday, 04 February 2026
logo

كلاويز. رمز لكردستان التسامح والمحبة

كلاويز. رمز لكردستان التسامح والمحبة
لم يحالفني الحظ للتمتع بزيارة كردستان سابقا لا خلال المدة التي عشتها في بغداد ولا خلال مدة إقامتي في باريس منذ أكثر من 33 عاما. ثم شاءت الظروف أن تتاح لي فرصة زيارة كردستان أخيرا لأول مرة في حياتي بناء على دعوة وجهت إلي لمرافقة وفد من أبرز أساتذة الجامعات الفرنسية المتخصصين في علم الاجتماع والاقتصاد للمشاركة في أعمال مهرجان كلاويژ الذي انعقد مؤخرا في مدينة السليمانية.
لا يمكن لمقال صغير تقديم عرض شامل لكافة جوانب المجالات المتنوعة التي تم طرحها في مثل هذا المهرجان الفريد من نوعه الذي احتضن ألوانا زاهية من مختلف الرموز الثقافية والفكرية والعلمية والتي عرضت خلاله باقات زهور إنتاجاتها في مختلف الميادين الفكرية، إذ أن ما كتب وما سوف يكتب عن هذا المهرجان لا بد وأن يغني القارئ بثروة واسعة إن دلت على شيء، فإنما تدل على دخول كردستان إلى عالم المعرفة الشاملة من أوسع أبوابها. ولكن قد يكون من الضروري الإشارة بالنسبة لي كمراقب في هذا المهرجان إلى جانب هام برز من خلاله والذي تمثل في ميزة انعكست أصداؤها عبر ما أستطيع أن أسميه بثقافة التسامح والمحبة في كردستان والتي فاح عبقها من خلال مختلف المداخلات والبحوث والدراسات والفعاليات العديدة التي جرت خلال أيام المهرجان والتي أكد فيها المحاضرون على ضرورة عقد مختلف أصناف اللقاءات سواء في هذا المهرجان أو في مختلف المهرجانات على مستوى كردستان ومختلف المهرجانات العراقية الأخرى ضمن أجواء يجب أن تسود فيها ثقافة التسامح والمحبة التي يتم خلالها طرح كافة الآراء بأقصى صراحة ممكنة وبدون تملق أو محاباة لهذا الطرف أو ذاك ولكن بدون أن يعني ذلك الخروج عن مبادئ قبول الأخر في إطار من الإحترام المتبادل. فقد حضرت إلى هذا المهرجان وفود عديدة من مختلف الدول العربية والأجنبية التي تحدث أعضاؤها بحرية تامة وعبروا عن آرائهم بدون أية رقابة وانتقد المحدثون بعضهم البعض في مداخلاتهم بصراحة لم يكن من الممكن التفكير بإمكانية وجودها أو حتى وجود جزء صغير منها في العهود السابقة التي كانت تحتضن وفودا في مهرجانات كاريكاتورية تحضرها شخصيات تلقي خلالها مداخلات تنصب على المدح والتملق لرمز واحد، ذلك الرمز المتمثل في القائد والرئيس والزعيم المفدى وغيره من الأوصاف السلطانية التي كانت تلك الوفود تمجدها طمعا بالحصول على شيء من فتائت موائدها المسروقة من قوت الشعب العراقي بالرغم من معرفتها بكافة أنواع ممارسات الإضطهاد والقتل الفردي والجماعي وإطلاعها عليها والتي كانت تثقل بكاهلها على شعب العراق وخاصة شعب كردستان الذي عانى من ويلات حروب تلك الرموز المشؤومة وحملاتها ومقابرها الجماعية المنتشرة في كافة أجزاء كردستان مثلها مثل مختلف أجزاء العراق الأخرى من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.
ليس المقصود هنا بالطبع في مصطلح ثقافة التسامح والمحبة السائدة في كردستان اليوم، مد اليد لمصافحة الأيادي الملطخة بدماء ضحايا القمع الذين لا بد وأن تدفعنا ذاكرتهم الخالدة إلى رفض التسامح والمحبة تجاه مثل هذه الفئات المنبوذة، وإنما المقصود من ذلك خلق أجواء جديدة لم تكن معروفة سابقة، أجواء تسود فيها ثقافة نوعية يتم خلالها تبادل الآراء والأفكار بحرية كاملة وطرحها بدون خوف من الآخر أو رفضه ضمن منطق عقلاني تتفاعل فيه الأفكار والآراء لكي تولد محصلة تصب في نهر واحد تغني مياهه أرضية ترتكز على تسامح ومحبة مماثلة للتسامح والمحبة التي عرضها مهرجان كلاويژ.
ذلك هو الرمز الجديد الذي تعيشه كردستان اليوم وكردستان المستقبل سواء عبر مهرجان كلاويژ، الذي احتضن أطيافا متعددة من الأفكار أو عبر الرمز الجديد الذي جسد الميزة التي تتمتع بها كردستان التي احتضنت عبر تاريخها الطويل وتحتضن اليوم أطيافا مختلفة من القوميات والأديان والأعراق المتآلفة والتي يجدها أي زائر لأية مدينة من مدن كردستان حيث يعيش الكرد والعرب والتركمان والشبك والمسلمون والمسيحيون جنبا إلى جنب بدون أي تشنج أو كراهية أو رفض للآخر.
تلك هي الأجواء التي يجب أن تسود ليس فقط في كردستان وإنما في كافة مدن العراق، أجواء جديدة تنبثق من أعماقها روائح التسامح والمحبة نحو بناء عراق آخر، عراق جديد، عراق كلاويژ القرن الحادي والعشرين، عراق نتباهى به أمام شعوب العالم الأخرى ونفتخر بإنتاجاته في كافة مجالات الحياة.

د. فخري العباسي – باريس

puk
Top