• Tuesday, 03 February 2026
logo

العراق وتركيا: ملف المياه المشتركة... بين المخاوف المشروعة والتهويل

العراق وتركيا: ملف المياه المشتركة... بين المخاوف المشروعة والتهويل
اولا:

حملت جريدة الصباح في عددها الصادر يوم 23 تشرين الاول 2013 عنوانا رئيسيا لافتا باللون الاحمر في اعلى صفحتها الاولى جاء فيه عن لسان حال تركيا: "لا نية لقطع المياه عن الاراضي العراقية"، وكان بمناسبة قبول رئيس مجلس الوزراء العراقي دعوةً من رئيس الوزراء التركي لزيارة تركيا، ضمن مساعي ترطيب الاجواء بين البلدين كما جاء في الخبر. كما ابرزت الصحف العراقية قبل ايام ، بما فيها جريدة الصباح، دعوة نائب رئيس مجلس الوزراء الدكتور حسين الشهرستاني، للحكومة الاتحادية لتشكيل هيئة وطنية لمتابعة حقوق العراق في نهري دجلة والفرات، حيث القى بعض الضوء على حجم برامج السيطرة والتخزين في اعالي النهرين وابدى قلقه من نقص الموارد المائية الواردة الى العراق، مشيرا بوضوح الى ان هذا النقص لا يعود لاسباب طبيعية بل للاعمال التي نفذتها دول الجوار التي تشترك مع العراق بالنهرين وروافدهما.



ثانيا:

يظهر العنوان الرئيس لجريدة الصباح مدى حساسية الملف المائي مع تركيا، ليس على المستوى الرسمي فحسب بل على المستوى الشعبي ايضا، اذ مثلت قضية المياه المشتركة مع الجوار قلقا وطنيا حقيقيا منذ السبعينيات، وقد ظهر بأوسع اشكاله بعد العام 2003، في ظل تفاقم جملة من الازمات، بما فيها الوضع المائي، ممثلا بشحة المياه او تلوثها وانحدار انتاجية الارض وانتشار التصحر وكثافة عواصف الغبار، وانكشاف ابعاد جريمة تجفيف الاهوار العراقية، وغير ذلك من مظاهر كان الحديث عنها محرما قبل العام 2003. كما مثلت وقفة البرلمان العراقي السابق في العام 2009 بضرورة ادخال الملف المائي في الاتفاق الستراتيجي مع تركيا مقابل المصادقة عليه، نقلة نوعية بحجم الاهتمام الشعبي والرسمي بقضية المياه، ومثّل ذلك بشكل ما استجابة للقلق الشعبي حول القضايا الوطنية المصيرية ومنها قضية المياه. اما العبارة المقتبسة باللون الاحمر كعنوان رئيس في الصباح فقد لا تكون قد وردت على لسان الضيف الزائر، وهو رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الامة التركي، لكن "نوايا قطع المياه" من عدمها مثيرة للقلق ومخيفة لجهة ان قطع المياه عن العراق امر محتمل، وهنا تبرز اهمية التناول الهادئ والعملي للقضية بعيدا عن الاثارة.



ثالثا:

الموضوع الذي اثاره السيد نائب رئيس الوزراء، يمثل هو الآخر تقدما مهما في ادراك قضية الامن المائي في العراق على مستوى السلطة التنفيذية، لان تشكيل مجلس وطني للمياه بصلاحيات واضحة هو آلية فاعلة لاصلاح القطاع المائي في العراق والارتقاء به لمستوى التحديات الجديدة. وللامانة لا بد من تأكيد اني حرصت على اثارة هذا الامر منذ العام 2004 وسبق ان تناولته في محافل وطنية عديدة، وكتبت بشأنه في مختلف الصحف، ومنها جريدة الصباح (راجع موقع ممثلية العراق الدائمة لدى الفاو للاطلاع على سلسلة المقالات حول الموضوع)، واعتقد ان العراق في الوقت الضائع عمليا فيما يخص الملف المائي مع الجوار الجغرافي، وقد تخلف عن الاستجابة لمعطيات الواقع المائي الجديد، وهو واقع تتحكم دول الجوار بمفاصله كلها، على خلاف ماكان سائدا عبر التاريخ، ولم يعد هناك ما يمكن انتظار حدوثه تلقائيا كحل للمشكلات المائية، حتى لو كانت العلاقات الثنائية او المتعددة الاطراف مع دول الجوار المشتركة بمياه الرافدين على افضل مايرام.



رابعا:

لقد ادرك برنامج الامم المتحدة الانمائي اهمية فكرة المجلس الوطني للمياه في العراق وعمل على الترويج لها وتنفيذها، وتعاون مع جهات حكومية متعددة واثمرت الجهود المشتركة عن اقرار الحكومة العراقية لمشروع القانون الخاص بالمجلس المقترح، وقُرئت مسودته في جلسات مجلس النواب لكنها التحقت بعد ذلك بقائمة القوانين التي يُنتظر تشريعها لانها قد تكون بحاجة الى توافقات سياسية يصعب تحقيقها في ظرفنا الراهن. ومن المؤسف حقا اخضاع قضية وطنية عليا لتوافقات يتطلب تحقيقها وقتا طويلا، وقد تُفرغ الفكرة من محتواها ولا تكون النتيجة مرضية بسبب معايير واعتبارات افرزتها العملية السياسية التوافقية القائمة على المحاصصة.



خامسا:

من الواضح ان الملف المائي مع تركيا يلقي بظلاله على العلاقة الثنائية بين البلدين منذ عقود، وسيبقى الامر كذلك في المدى المنظور، مهما تطورت وتشعبت العلاقات الاقتصادية بين البلدين، بل ان الملف المائي هو حجر الزاوية لاي تعاون قائم على الصداقة وحسن الجوار، ففي العراق مخاوف مشروعة من استحواذ دول الجوار على حقوقه المائية، وتلعب السياسة التركية بخصوص المياه المشتركة دورا في تعميق تلك المخاوف من خلال الاصرار على تنفيذ مشروع جنوب شرق الاناضول وخاصة تشييد السدود الكبرى، وآخرها انشاء سد اليسو على نهر دجلة بالقرب من الحدود العراقية، من دون معالجة القلق العراقي المبرر حول التأثير المدمّر للسد على العراق اجتماعيا واقتصاديا وبيئيا، وهو تأثير سبق لمنظمات ووكالات دولية محايدة ان لفتت اليه انظار الحكومة التركية، واتُخذت اجراءات سُحب اثرها الغطاء الدولي لمشروع سد اليسو، وقبله سد اتاتورك على الفرات، وخاصة لجهة تمويل المشروع، لمخالفته مبادئ القانون الدولي فضلا عن تهديده المحتمل للاستقرار، ولتجنب آثاره البيئية والثقافية حتى داخل الحدود التركية.



إشكاليات دولة المصب وغطرسة دولة المنبع.. العراق وتركيا وملف المياه المشتركة -2-

ولا:

اقل ما يقال عن الدولة التي تقع في ذنائب الانهار المشتركة (اي دولة المصب)، في ظل التنافس المتزايد على استغلال الموارد المائية والسعي للتحكم بها، بانها غير محظوظة. والعراق يقع في ذنائب الانهار، وهو بذلك يتلقى نتائج افعال جيرانه في صدور ومنابع الانهار سلبا وايجابا. وواقعا فان سلبيات افعال الجيران على العراق في ادارة المياه تفوق كثيرا ايجابياتها، ان كان ثمة ايجابيات اصلا، ولكن السلبية الكبرى هي العجز المستمر عن التوصل الى اتفاق دولي (او اتفاقيات مع كل الاطراف) لادارة وتقسيم مياه الانهار المشتركة، وطغيان البعد السياسي على الموضوع، واستخدام منجزات الهندسة والتكنولوجيا لتكريس نزعة السيطرة المبالغ بها على جريان الانهار وتوقيت الاطلاقات المائية من السدود، حتى اضحت المياه، أثر ذلك، وبدون اعلان صريح، بل وحتى وسط نفيٍ رسمي، بيدقا على لوحة شطرنج تحركه عقلية الربح والانتصار المزعوم فيما يصطلح عليه باللغة الانكليزية بـ "Hydropolitics" وهو مصطلح يعني الاستخدامات الجيوبوليتكية للموارد المائية لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية تؤمن الزعامة والتفوق بالضد من امثولة الاستخدام الامثل والمستدام للموارد المائية لتحقيق منافع مشتركة.



ثانيا:

لايمكن تأمين حقوق دولة المصب بالنوايا الحسنة والامنيات، بل بالعمل المضني والمستمر،وبتحقيق شبكة مصالح مع دولة المنبع تكون بذاتها دافعا للعمل من اجل ادارة مشتركة للمياه تقوم على مبادئ الانتفاع المنصف والمعقول وتجنب الاضرار بالشركاء، حرصا من دولة المنبع على مصالحها الستراتيجية.وبما ان الدبلوماسية أوالسياسة والعلاقات الدولية ليست لعبةً بريئة،ولا يتحقق الانصاف بها تلقائيا، حتى لو كانت حقوق احد الاطراف واضحةً وضوح الشمس شرعا وقانونا، فيجب ان تتوفر في دولة المصب عدة شروط لتكون فاعلةً في تحقيق شبكة المصالح التي تحمي حقوقها ومنها الحقوق المائية واهمها: ان تكون الدولة قوية ومتماسكة اقتصاديا واجتماعيا ودبلوماسيا وعسكريا،ولايمكن هزيمتها او ابتزازها بهذه الحقول بسهولة، وبالاخص على مائدة المفاوضات، كخيار اوحد لحل الخصومات المائية.اما الشرط الثاني فهو كفاءة ادارتها للموارد المائية المتاحة لديها، فلا يستقيم منطق الخصام والصراع على الحقوق المائية، وان بشكله السلمي، مع الهدر والاهمال وسوء التخطيط والاستخدام المفرط وقلة انتاجية وحدة الارض او وحدة المياه. اما الشرط الثالث فهو ان تكون مطالبها بالمياه المشتركة واضحة وممكنة التحقيق،وموقفها التفاوضي سليم وقائم على معطياتٍ حقيقية وواقعية ، ويستند الى القانون الدولي والمصلحة المشتركة، التي تجسدها شبكة المصالح الحيوية مع دولة المنبع. وبالامكان سرد شروط اخرى لاتقلّ اهميةً ولكن المجال لايتسع لها.



ثالثا:

مرّت العلاقة المائية بين تركيا والعراق بمراحل شائكة، كانت بدايتها طيبة اذ حصل اثرها اتفاق عام 1946، الذي اعترفت وفقه تركيا بحقوق العراق،وتعهدت بالامتناع عن القيام بأعمال مضرّة به عند استغلالها للموارد المائية المشتركة. واظن ان الاتفاق المذكور حتّمته معطيات اهمها التقارب والاصطفاف السياسي للدولتين آنذاك، والاكثر اهمية هو ان تركيا لم تكن لديها الامكانيات المادية المطلوبة لتنفيذ منشآت كبرى في اعالي النهرين في حينه، ولا طموحات الزعامة التي طفحت في الثمانينيات والتسعينيات، كما لعب استعداد قادة البلدين للتفاوض حينئذ دورا في صياغة الاتفاق المذكور. لكن الاحداث العاصفة التي تلت ذلك وسعير الحرب الباردة ومارافقها من استقطابات جديدة،لم تسمح للبلدين بالاتفاق النهائي بشأن اقتسام مياه الرافدين، وحصلت شبه قطيعة امتدت الى الثمانينيات، حيث شكلّ البلدان مع سوريا لجنة فنية ثلاثية، لتطوير اتفاقية مقبولة للاطراف الثلاثة، ولكنها لم تنجز عملها فجُمّدت بعد اكثر من عشرة اعوام من العمل بمعدل اجتماع واحد او اكثر في العام. كما اسهم تهوّر النظام السابق وهوَسُه بالحروب الداخلية والخارجية بتراجع قضية المياه المشتركة الى مؤخرة اولوياته، وظهر عجزه عن التوصل الى اتفاقات تضمن حقوق العراق بمياهه، بل انه حوصر الى حدّ أجبر فيه على عقد اتفاقات امنية وعسكرية انتهكت وفقها تركيا سيادة العراق وارضه لمئات المرات، فضلا عن تفريطه بالسيادة على نصف شط العرب في وقت اسبق.



رابعا:

استفحلت في التسعينيات نزعة القوة المائية الاكبر لدى تركيا وبرزت طموحات زعامة وصدرت تصريحات لاعقلانية ومتغطرسة بشأن مياه الرافدين، بما فيها من قبل رئيس الدولة التركي آنذاك، اعتبر بها مياه الرافدين مياها تركيةً عابرة للحدود وقارن الثروة المائية في تركيا بالثروة النفطية لدى العرب، وسوّق افكار بيع المياه الى دول اخرى وغير ذلك، ما اثار سخطا كبيرا حتى من لدن وكالات ومجاميع دولية، في وقت كانت تركيا تسعى به للانضمام للاتحاد الاوروبي. لقد تزامن تصاعد الموقف المتزمت لتركيا حول الموارد المائية المشتركة مع دخول تنفيذ مشروع جنوب شرق الاناضول (غاب) مراحل متقدمة تكللت بانجاز سد اتاتورك، وهو رابع اكبر سد في العالم، وقبله سدّي كيبان وقره قايا، وملأه بطريقة استفزازية قطعت اثرها مياه الفرات تماما عن الجريان في مطلع العام 1990، اذ حُوّل النهر بكامله الى بحيرة اتاتورك، دون الالتفات الى الاحتجاجات العراقية والسورية، وكان ذلك تذكيرا مخيفا بقطع مياه الفرات في الفترة 1976-1977 حيث تزامن ملء سد كيبان في تركيا مع ملء سد الطبقة السوري فتعرض أثرها الفرات في العراق الى جفاف شبه كامل وكانت تلك كارثة لم يألف حدوثها سكان وادي الرافدين في السابق.



خامسا:

على مشارف الالفية الثالثة ومع تزايد احتمالات دخول تركيا للاتحاد الاوروبي، تغير الخطاب التركي حول المياه المشتركة نحو الافضل كثيرا، وبلغ أحسَنه في ظل حكومة السيد اردوغان، ولكن الخطاب السياسي المرن لم يتحول الى اجراءات عملية تسهم في التوصل الى اتفاق نهائي حول المياه المشتركة.

فقد استمر تنفيذ مشروع جنوب شرق الاناضول بوتائر متسارعة حتى بعد ادانة المقاربة التركية بتنفيذه باعتبارها مقاربة تتعارض مع اسس التنمية المستدامة، ومضرّة بيئيا وثقافيا ولاتسهم بترسيخ السلم، ولم تقم تركيا الا بتقديم مبادرة ثلاثية المراحل، مصممة لمنفعة طرف واحد فقط هو دولة المنبع، وما انفك المسؤولون الاتراك الحاليون والسابقون يتمسكون بها في مختلف المحافل الدولية، وكان آخرهم وزير خارجية تركيا السابق السيد يشار ياكيش الذي عرضها في مائدة مستديرة عقدت في مقر مجلس العموم البريطاني ضمن فعالية السلام الازرق التي يشرف عليها الامير الحسن بن طلال ويسهم بها من العراق السيد بختيار أمين الشخصية العراقية المعروفة، الذي قدم بالاجتماع نفسه رؤية وطنية مشرّفة لقضية الموارد المائية المشتركة.



د. حسن الجنابي

خبير في الموارد المائية وسفير العراق لدى منظمة الفاو


PUK
Top