اللغة الكوردية في خطر، ونعم لتوحيد لغة موحدة في كوردستاننا، فهي لا تقلُّ كثيراً عن استقلالها .....................سيروان أنور مجيد
نعم لوجود لهجات مختلفة ولكن لا لتشتيتها، بل لإغنائها بالثورة المفرداتية التي تحاكي ثورة عصرنة الانفجارات المعلوماتية. و يجملني أن استحضر في هذا المقام، مقال المفكر الألماني (فيخته) في سلطة اللغة الموحدة، و لا شك أنّ مقاله في هذا الموطن خير استشهاد لمحاكاة سياق آلامنا، إذ يقول " (أينما توجد لغة مستقلة، توجد أمة مستقلة لها الحق في تسيير شؤونها وإدارة حكمها).
ولقد تأكّدت من خلال القرن العشرين سلطة اللغة الموحدة، و عظمة وسطوة هيمنتها، حين لجأت الدول العظمى المنتصرة عقب الحرب العالمية الأولى في اجتماعها "بفرساي" إلى تعيين الحدود بين الدول على أساس المناطق اللغوية، وحتى عندما تتشابك الثقافات في المناطق الواقعة بين أمتين كبيرتين، تكون اللغة عادةً هي المعيار الذي يحدد شخصية الإقليم المتنازع عليه... ولظلم هؤلاء الدول المستعمرة، وعدم وجود لغة أدبية جامعة مانعة تجمعنا، آلت الظروف بنا إلى عالم التفرقة و التهجير والتعريب والتتريك والتفريس! فلو كانت لدينها يومها لغة موحّدة، لربّما نحن الآن مكرّمون في وطننا، ولا يشمت بنا المحتلّون، أو يتصدّقون علينا بحق التعليم بلغتنا كلغة اختيارية في موطننا وليست لغتها! فلغتها بطبيعة الحال مفرضنة علينا، ولنا الطاعة و إلا السوط ينتظرنا!...أو ينقلب الدنيا عليهم ولا تقم، حال طلب أبسط حقوقنا: كحرية الرأي، و الحكم الذاتي، و التدريس بلغة الأم. إن اللغة الموحّدة تتكاتف ذلك الشعب ويزيد من لحمته، ويجعله طينة متماسكة، ذا أرضية مشتركة وقاسم مشترك، لا يفصلها و لا يجزّئها ويلات الحروب و الدمار بهذه البساطة التجزئوية.
وتأسيساً على هذا، استعمل (موسوليني) بالفعل هذه الفكرة لأغراض توسعية، إذ كان يحس بأن "مطالبته بضم جنوب "تيرول" لن تكون شرعيةً إلا إذا قطن هذه المنطقة سكان ناطقون باللغة الإيطالية، مما جعله يشجع الإيطاليين على الهجرة إلى تلك المنطقة. ونحن لا نريد لذلك، فقط مبتغانا تكمن في استرجاع بيوتنا ودار أمهاتنا ومساجد أجدادنا...". وا كوردساناه! كم أنت أسيرة يسيرة، و قمة سائغة في أيد الطامعين. و كم أجادوا في تطبيق السياسة الماسولونية على أراضيك الطاهرة بحذافيرها من سياسة التعريب و التتريك و التفريس عليك؟ فكم استغربوك و هجروك و أنفلوك؟ و نسوا حسنات أبطالك العظام الذين أنقذوهم من الويل و جور ظالميهم، و أنت الآن من كوكبة الثكالى و اليتامى في أمّ جغرافيتك! فعلى سبيل المثال لا الحصر، لو نظرنا إلى الدول العربية، نرى أنهم، و بفضل لغتهم الموحدّة - والفضل الوحيد في ذلك كتاب الرحمّن- تمكنوا من لمّ شملهم، و قطف 22 دولة، على الرغم من استقطاع قوميات أخرى في حاضرة دولهم من قبل الاستعمار بحجة أن الثاني هم الأقلّية، في حين أنهم هم الأكثرية في موطنهم وليس تلك اللوحة المصنوعة و المنجبرة التي حلت علينا ضيفاً ثقيلاً، وهم في ذلك لا حول لهم و لا قوة. و الترك و الفرس في ذلك لنا سيّان.
فيا للعجب العجاب نحن في أقليم ثلاث محافظات تكون لغة الكتابة بلهجتين في حكومة فدرالية واحدة! فترى أين نفيق من هذا السبات العميق الذي ترتكح كياننا بوجودها. يستوقفني هنا حواراً دقّت باب الحديث بيني وبين أستاذ جامعي، ينتسب إلى مدينة بغداد في ماليزيا، عن عمر يناهز الخمسين، حول اللغة الكوردية، فتحدّثنا عن مناهج الأقليم باللغة الكوردية، وقال لي ضاحكاً وباللهجة البغدادية ناسياً لغة القرآن:" يا معوّد أنتو بالشمال عدكم لغتين أشلون تصير المناهج باللغة الكوردية، ترى أهل دهوك ما يفتاهمون لغة أربيل!" وقلت له : إنَّ لغتنا واحدة ولكن هناك لهجات... وقال لي مازحاً، مغالباً سطوته الأمس علينا: " يا معوّد لمن تغير المناهج في بعض المدارس إلى الكوردية في السبعينات أهل دهوك تشانوا ما يفتهمون اللغة، وطلبوا التدريس باللغة العربية، فعادت إليهم إلى أوانها السابق!" ... فرغم محاولتي بأن الجغرافيا والدول المحيطة أثّرت سلبا على تفريق الهوة إلا أنّ ملامح وجهه، وعقليته الأمس قال لي "كلّا"!... و نحن هنا لا نضع اللّوم عليه، بل في سياسيينا و أكاديميينا... فنحن نريد لغة موحدة سواء أكانت من شمال كوردستان أو جنوبها أو اتخذت بين ذلك سبيلاً... فكفانا التفرقة اللغوية. فلو كانت لدينا وقتها لغة موحدة لربّما كانت اليوم لدينا كوردستان الكبرى، و لا أحد يستطيع اليوم أن يتصدّق علينا ويقول في مستوى رفيع ناتويي: أنّ بإمكان الكوردي قراءة لغته في أرضه كلغة اختيارية و في المدارس الأهلية و ليست الحكومية! في حين لغته إجبارية على أهل البلد... و لا أحد كان يستطيع أن يهجّرنا و يستقطع أراضينا في ديارنا ... فمسألة اللغة الموحدة هي مسألة البقاء و الصمود و تحقيق الأهداف.... فكيف تليق لمهد البشرية الثانية، و أحفاد صلاح الدين الأيوبي و الشيخ النورسي أن لا تملك لغة يجمعه، و يتلاحمه، و يجعلة كالطينة الواحدة... فإذا لم نفق اليوم من سباتنا لا يرحمنا تاريخ الغد، و لا جيل الغد، ولا تكن الطرق مفروشة لنا بالزهور، وإنما ملؤها الأشواك، فعلينا أن نعمل اليوم لا الغد؛ لأنّ اللغة المستضعفة من هذه الزاوية، وبدون منازع، هي من بين الداء الذي ينخر الكيانات القومية الضعيفة لإزالتها من الوجود ... بل و يجعلها كيانات مجهرية لا حصر لها، داخل الرقعة الجغرافية الواحدة، كما يتجلّى، على خريطة العالم الممدودة، كالحصيرة أمام كل ذي بصر وبصيرة. فإذا كانت اللغة الموحده هي المانعة الجامعة لتوحيد الشعور والإحساس و الوجدان؛ فضلاً عن كونه وعاءً للفكر و تناقل الآراء و الطروحات و تقارباً للآراء وتقليل هوة الاختلاف، و تسهيل آلية التفاهم و التواصل الفعّال بين الناطقين بها.... فلنعمل معاً و شعار جميع مكونات الشعب الكوردي في هذا المؤتمر القومي الكوردي الأول في القريب العاجل، عنوانه " اللغة الكوردية في خطر، و نعم للغة الكوردية الموحدة في كوردستان الكبرى، فهيى لا تقلّ عن استقلالها".
pna
