• Saturday, 10 October 2026
logo

د. جلال أحمد عضو حلقة الحوار: في عصرنا الراهن، يُعدُّ الإنترنت السلاح الأمثل للأمم عديمة الدولة للتعريف بنفسها أمام العالم والمجتمع الدولي

د. جلال أحمد عضو حلقة الحوار: في عصرنا الراهن، يُعدُّ الإنترنت السلاح الأمثل للأمم عديمة الدولة للتعريف بنفسها أمام العالم والمجتمع الدولي

د. جلال أحمد، عضو "حلقة الحوار" في قسم الثقافة والإعلام للحزب الديمقراطي الكوردستاني، وهو  اجتماعی وأستاذ في جامعة صلاح الدين – أربيل. وخلال مشاركته في ندوة (حلقة الحوار) لهذه المرة تحت عنوان: «دور الشتات الكوردي في الفضاء الخارجي للوطن في إعلاء شأن الناسيوناليزم »، استعرضَ رؤاه وأفكاره على النحو الآتي:

لطالما شكل الشتات الكوردي، على مدار ما يربو على قرن من الزمان، أحد أبرز الركائز الوجودية والظهيرة المساندة للحراك القومي الكوردي، رغم كونه في بعض الأحيان مسرحاً لانتقال الصراعات الداخلية من الوطن إلى المهجر. وبالعودة إلى سياقات التاريخ واستحضار أطروحة المفكر "بينيديكت أندرسون" حول "المجتمعات المتخيلة" و"الناسيوناليزم  بعيدة المدى"، نجد أن إرهاصات النضال المدني الكوردي، لاسيما في شقيه الصحفي والحركي، قد تبلورت ونمت في كنف الشتات. إن البدايات التي تجسدت في صدور جريدة "كوردستان" في القاهرة، وتأسيس جمعية "خويبون" في لبنان، وإصدار مجلة "هاوار" في دمشق، تؤكد أن الفضاء الخارجي وفر بيئة حيوية للتنظيم والنضال التنويري بعيداً عن قبضة القوى الإقليمية التي تقاسمت كوردستان.

توالت بعدها موجات الهجرة القسرية والسياسية، بدءاً من نزوح العمالة من شمال كوردستان نحو ألمانيا في الستينيات والسبعينيات، وصولاً إلى اللجوء الجماعي لآلاف الكورد من الجنوب نحو إيران ودول الجوار إبان نكسة ثورة أيلول. وقد أدت ويلات الحرب العراقية الإيرانية، وما تلاها من عمليات الأنفال والقصف الكيماوي الوحشي، إلى اقتلاع الآلاف من جذورهم ودفعهم قسراً نحو المنافي. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل جاءت الهجرة المليونية عام ألف وتسعمائة وواحد وتسعين لترسخ وجود جالية ضخمة في الغرب. كما ساهم الصراع المرير بين حزب العمال الكوردستاني والدولة التركية في تدمير القرى وتهجير سكانها، ثم جاءت حرب داعش وما رافقها من مآسٍ، لا سيما بحق الإيزيديين، لتزيد من رقعة الانتشار الكوردي في المجتمعات الغربية.

إن هذه التحولات لم تكن مجرد انتقال جغرافي، بل كانت حمولة تاريخية محملة بذاكرة القهر والاضطهاد، مما ولّد استجابة فاعلة لدى الأجيال التي عاصرت تلك النكبات، حيث ظل حلم العودة وإعادة بناء الذات الناسيوناليزم  يتصدر أولوياتها. ومن هنا، انطلقت الجهود لتأسيس المعاهد الثقافية، والمنظمات المدنية، والمراكز الأدبية، ودور النشر، فضلاً عن إطلاق المؤسسات الإعلامية التي غدت بمثابة الخيط الناظم الذي يربط شتات الكورد ببعضهم البعض. وهذه الديناميكية تتماهى تماماً مع رؤية أندرسون، حيث يغدو الشتات خزانًا للقومية العابرة للحدود، وقوة ضاغطة ومؤثرة في دوائر القرار الدولي عبر "اللوبيات" السياسية.

في منظور أندرسون، تعد الناسيوناليزم  بعيدة المدى، أو المجتمع المتخيل كبنية اجتماعية، آلية فعالة لتنشيط الوجدان الجمعي في وعي الأفراد؛ فرغم افتقارهم للقاء الفيزيائي المباشر، وعدم معرفتهم ببعضهم شخصياً، إلا أن هناك شعوراً مشتركاً يتغلغل في خيالهم وخلفياتهم الذهنية، يوحدهم تحت لواء الانتماء لأمة واحدة ذات مصير مشترك. وبالاستناد إلى هذه الأطروحة، نجد أن عصر الرقمنة وانتشار منصات التواصل الاجتماعي قد سهّلا عملية بناء الأمة المتخيلة سياسياً. فاليوم، تنساب الأخبار والصور والأفكار بسرعة فائقة عبر الفضاء السيبراني، مما أدى إلى تآكل قيمة الحدود الجيوسياسية المصطنعة. لقد بات الإنترنت السلاح الأمضى للأمم التي تفتقر إلى دولة، ووسيلة مثلى للتعريف بالهوية أمام المجتمع الدولي.

من خلال التمسك باللغة، وإحياء الرموز التاريخية، واستحضار الأساطير والملاحم الناسيوناليزم ، يجسد الكورد في الشتات نموذجاً حياً للمجتمع السياسي المتخيل في الفضاء الرقمي. هذه العناصر تمثل المواد الخام الأساسية لبناء هوية قومية مشتركة، حتى وإن كانت قائمة على الروابط الذهنية والافتراضية. إن بناء الأمة في هذا العصر الرقمي لم يعد يشترط الوجود المادي المتجاور للأفراد، بل يعتمد على وجود فضاء ذهني وفكري مشترك يعيد صياغة السيكولوجيا الاجتماعية للأفراد، وهو ما يتفق مع طروحات الأنثروبولوجية "كارين باربيرا" التي تشدد على التلازم بين الإطار الاجتماعي، والخطاب، والهوية، وهي عناصر استطاع الفضاء الرقمي صهرها في بوتقة واحدة.

ومع ذلك، إذا ما أخضعنا أداء الشتات الكوردي للتقييم، سنجد أن دوره في القضايا الناسيوناليزم  المصيرية لم يرقَ دائماً إلى مستوى الطموح المنشود. ويعزى ذلك لعدة عوامل، أهمها الرواسب الأيديولوجية التي حملتها الأجيال الأولى معها من الوطن، والتي ما زالت تخضع لعمليات توظيف واستقطاب من قبل القوى السياسية التقليدية التي تقتات على النزاعات الحزبية. يُضاف إلى ذلك ضغوط سياسات الاندماج في دول المهجر، التي تسعى جاهدة لصهر المهاجرين في بوتقتها، مما أدى إلى إضعاف الروابط الناسيوناليزم  لدى الجيلين الثاني والثالث، حيث تحولت الناسيوناليزم  بالنسبة لهم إلى مجرد إرث أخلاقي أو عاطفي، بدلاً من أن تكون مشروعاً سياسياً لبناء كيان مستقل.

والأدهى من ذلك، أن الفشل في الإدارة، واستشراء الفساد، وغياب العدالة في الوطن الأم، قد ولد حالة من الإحباط والنفور حتى لدى أفراد من الجيل الأول، الذين باتوا يوجهون سهام نقدهم لفكرة الناسيوناليزم  ذاتها. وعلى الرغم من أن الهوية الناسيوناليزم  تبدو قوية وشاخصة لدى كورد الشتات، إلا أنها في الغالب تظل حبيسة البعد الثقافي والعاطفي، وتفتقر إلى التنظيم السياسي المؤسساتي الفعال، مما يفسر انحسار المشاركة الفعلية في الأنشطة السياسية الكبرى التي تتطلب تنظيماً يتجاوز العواطف الجياشة نحو العمل السياسي الرصين والمنظم.

Top