عماد طه عضو حلقة الحوار: تمكن الشتات من محو الحدود الاصطناعية للحزبية وترسيخ وحدة الناسيوناليزم في ذاكرة الجالية الكوردستانية
عماد طه، عضو 'حلقة الحوار' وعضو قسم الثقافة والإعلام في الحزب الديمقراطي الكوردستاني، قدّم خلال الجلسة الحوارية الأخيرة لـ 'حلقة الحوار' والتي انعقدت تحت عنوان (دور الشتات الكوردي خارج الفضاء الوطني في اعلاء الناسيوناليزم )، جملةً من رؤاه وتصوراته ومقترحاته على النحو الآتي:
في غمار هذا السجال الفكري المستفيض الذي يسلط الضوء على الأبعاد التاريخية للديازبورا الكوردية، يتحتم علينا، كشهود عيان على المأساة التي تلت نكسة عام 1975، أن نمعن النظر في تلك الحقبة المفعمة بالشموخ والألم معاً. إننا نقف إجلالاً أمام إرادة عشرات الآلاف من المناضلين الذين أبوا الانحناء لغطرسة نظام البعث، واختاروا سلوك دروب المنافي الوعرة على القبول بالهوان. هؤلاء الصامدون، الذين توزعت خطى لجوئهم في مخيمات شتى فوق الأراضي الإيرانية، برهنوا عبر قبولهم بحياة الخيام وقسوة الغربة، أنهم مستعدون لتقديم أسمى التضحيات في سبيل صون الكرامة الوطنية والإيمان الراسخ بعدالة قضيتهم، مما جعل من تلك المحنة محطة ذهبية للمقاومة في تاريخنا المعاصر.
إن ما أعقب نكسة أيلول 1975 لم يكن مجرد هجرة قسرية فرضتها موازين القوى، بل كان عملية انتقال جوهرية لمفهوم "الوطن" من حيزه الجغرافي الضيق إلى فضاء عالمي رحب؛ حيث لم تضمحل الناسيوناليزم الكوردية، بل انبعثت من جديد بشكل أكثر تنظيماً وحداثة. لقد كان للفقيد إدريس بارزاني رؤية استراتيجية ثاقبة حين صنف اللاجئين في المخيمات "ثروة وطنية" وذخيرة بشرية، محولاً تلك البيئة الطاردة إلى نواة لإعادة إيقاد شعلة الثورة. وبالتوازي مع ذلك، رسم الرئيس مسعود بارزاني استراتيجية بعيدة المدى عبر إيفاد النخب الشابة والمتعلمة إلى أوروبا، لتكون الركيزة الأساسية في عملية إعادة بناء كوردستان ونقل صوت المظلومية الكوردية إلى المحافل الدولية بصورة حضارية.
هذا التحول الجذري في قلب اليأس كان تجسيداً حياً للمقولة الخالدة للأب الروحي مصطفى بارزاني: "لا يغرنكم النصر، ولا يكسرنكم الخذلان"، وهي الإرادة ذاتها التي جعلت وميض ثورة "كولان" ينبثق بعد عام واحد فقط من الكارثة، وتحديداً في أيار 1976. إن التعاطي الحكيم للقيادة مع الأجيال المهاجرة بوصفهم رأسمالاً بشرياً حول اللجوء إلى "سفينة نجاة" حمت الروح الناسيوناليزم من الغرق، في وقت كانت فيه سياسات الإبادة ومحو الأرض تستعر في أجزاء كوردستان الأربعة. وفي هذا السياق، غدت الديازبورا في دول مثل السويد وفرنسا وألمانيا مختبراً علمياً وفكرياً لصون اللغة والثقافة، باعتبارهما حجر الزاوية في الهوية الوطنية المعاصرة.
لقد أدت هذه المسيرة النضالية الشاملة إلى ارتقاء الناسيوناليزم الكوردية من مستواها المحلي إلى قومية حديثة وشاملة، انصهرت فيها كافة الأجزاء في بوتقة وطنية واحدة. إن تاريخ الهجرة الكوردية، بدءاً من صدور أول صحيفة في القاهرة عام 1898 وصولاً إلى النشاطات الراهنة، يبعث برسالة جلية للطغاة مفادها أن "الناسيوناليزم الكوردية لا تحدها حدود". فالديازبورا لم تكن مجرد ملاذ آمن، بل تحولت إلى مراكز لإنتاج المعرفة والوعي، وبناء بنية تحتية سياسية ونفسية متينة لم تستطع غيوم الفشل حجب رؤيتها نحو الحرية والرفعة.
ومع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية المدمرة عام 1980، بدأت موجة هجرة تاريخية للنخب المثقفة التي رفضت الانخراط في محرقة تلك الحرب العبثية، مما شكل منعطفاً سياسياً غير مسبوق. تمكن هؤلاء ببراعة من تحويل "القضية الكوردية" من شأن داخلي مهمش إلى قضية إنسانية وقانونية كبرى على الساحة الدولية. وبدعم مباشر من المثقفين في مراكز القرار كباريس ولندن، تغيرت صورة الكوردي من "ضحية صامتة" إلى "فاعل سياسي" يطالب بحقوقه المشروعة. وبلغ هذا التأثير ذروته إبان الهجرة المليونية عام 1991، حين نجحت الديازبورا، عبر عدسات الإعلام العالمي، في هز الضمير الدولي وابتكار مفهوم "دبلوماسية الأمة بلا دولة"، وهو ما أثمر عن صدور قرار الحماية الدولية وإنشاء منطقة حظر الطيران، مما أثبت أن الناسيوناليزم المنظمة قادرة على تغيير موازين القوى العالمية وضمان البقاء الفيزيائي للأمة على أرضها.
واليوم، تشكل الديازبورا المحرك الأساسي لإيصال صوت الشعب الكوردي إلى دوائر صنع القرار العالمي، وتعمل كدرع حصين لحماية الهوية. وفي هذا الإطار، يبرز التنسيق الاستراتيجي بين "فيدرالية الروند الكوردستاني" ووزارة التربية في حكومة الإقليم كخطوة وطنية رائدة، من خلال تأسيس مديرية التعليم في الخارج وفتح المدارس وطباعة المناهج بمختلف اللهجات (السورانية، والبادينية، والكرمانجية بالحروف اللاتينية). هذا الجهد يضمن للأجيال الثانية والثالثة في المهجر عدم الانصهار وفقدان لغة الأم. إن الشباب الكورد في الخارج اليوم، وعبر "الناسيوناليزم الرمزية"، أعادوا صياغة الكوردايتي ضمن قيم الديمقراطية العالمية، مانحين القضية هوية عصرية تتجاوز الحدود المصطنعة والحزبية الضيقة. لقد تجسدت الوحدة الوطنية في إرادة الفرد المهاجر كهدف ومصير واحد، قبل أن تكتمل معالمها على تراب الوطن، مما يثبت أن القوة الناعمة للديازبورا هي القلعة الفولاذية التي ستحمي مستقبل هذه الأمة العظيمة.
