شفان حمدي عضو "حلقة الحوار":باستثناء الكورد، لا توجد أي قومية أخرى تعدادها اكثر من 60 مليون محرومة من حقها في دولة مستقلة
شڤان حمدي، عضو (حلقة الحوار) وعضو قسم الثقافة والإعلام في الحزب الديمقراطي الكوردستاني، ورئيس وكالة زاگروس للأنباء. وضمن الحلقة النقاشية المعنونة بـ (دور الشتات الكوردي خارج فضاء الوطن في اعلاء الناسيوناليزم )، استعرض حمدي رؤاه وتصوراته ومقترحاته على النحو الآتي:
إن أحد أبهى الأبعاد الفلسفية والوجودية للفكر القومي المعاصر يتمثل في ذلك الإحساس الوجداني العميق الذي يصيغه مفهوم "المجتمع المتخيّل" ضمن إطار جغرافي وتاريخي محدد. وفي هذا السياق الجوهري، جاءت رؤية السيد شيفا بارزاني، مشرف الجالية الكوردستانية في مقر البارزاني، عبر رسالة خاصة وجهها لـ "دائرة الحوار"، لتضعنا أمام حقيقة جيوسياسية ونفسية مفادها أن الشتات الكوردي (الدياسبورا) قد نجح فعلياً في صياغة وتشييد ما يمكن تسميته بـ "الجزء الخامس" من كوردستان. هذا الجزء المعنوي الجديد استطاع ببراعة فائقة أن يذيب كافة الحدود والأسلاك المصطنعة التي فرضتها الجغرافيا السياسية، ليصهر في بوطقتِهِ الكورد المنتمين إلى الأجزاء الأربعة، موحداً إياهم حول خطاب وطني وقومي جامع يتجاوز الانقسامات التقليدية. وتتجلى هذه الحقيقة بوضوح ساطع خلال المناسبات الناسيوناليزم الكبرى، وعلى رأسها أعياد "نوروز"، أو في اللحظات العصيبة التي تشهد مواجهة الأزمات والكوارث الوطنية؛ حيث يثبت الوجدان الكوردي في المهجر أنه شريك عضوي وصاحب حق أصيل في آلام كوردستان وآمالها. في هذا الفضاء القومي الرحب، يغدو ألمُ أي فرد كوردي، في أي بقعة من بقاع هذا العالم المترامي، بمثابة ألمٍ يصيبُ جسد الأمة الموحد، وهو التوحد الذي نعتبره الركيزة الأساسية والخميرة الجوهرية لكل انتصار قومي مرتقب.
وفي مضمار الفلسفة السياسية، نجد أن الغالبية العظمى من المفكرين والمنظرين يربطون سيرورة بناء الأمم وتطور الهوية الناسيوناليزم بنمو الرأسمالية وظهور ما يعرف بـ "ثورة الطباعة". وتذهب هذه الرؤية التقليدية إلى أن ضرورات السوق الرأسمالي وتراكم رأس المال حتمت على الأمم تبني لغة معيارية موحدة ونشرها عبر الوسائل المطبوعة لفرضها كواقع اجتماعي. إلا أن هناك نوعاً آخر من الناسيوناليزم ظل مغيباً ومهمشاً في الأوساط الفكرية والأكاديمية الدولية، وهو ما يمكن اصطلاحه بـ "قومية الأمم بلا دولة". ويعزى هذا التهميش بشكل أساسي إلى ندرة النماذج البشرية التي تضاهي الحالة الكوردية؛ إذ لا توجد أمة على وجه البسيطة، باستثناء الكورد، تمتلك ثقلاً ديموغرافياً يتراوح بين ستين إلى سبعين مليون إنسان وهي لا تزال محرومة من كيانها الدولتي المستقل. كما يعود هذا التغييب أيضاً إلى ضعف الحضور الأكاديمي والبحثي للنخب الكوردية في مراكز الدراسات الدولية المرموقة. ولعل خير دليل على هذا الواقع ما لمسناه في المؤتمر الأول لمركز "مصطفى بارزاني للسلام" في الجامعة الأمريكية بواشنطن تحت عنوان "البحث عن الهوية"، حيث كشفت المداولات أن حتى الباحثين من دول الجوار والمختصين العالميين يفتقرون إلى إحاطة دقيقة وعميقة بتاريخ هذه الأمة العظيمة التي لا تزال تنشد دولتها.
ومن أجل كسر هذه الحلقة المفرغة وتجاوز نمطية التهميش، برز تأسيس "اتحاد الجالية الكوردستانية" كظلة وطنية جامعة في بلاد المهجر، ليعطي مفهوماً وأبعاداً حداثية جديدة لـ "قومية الأمة بلا دولة". لقد أثبتت هذه المؤسسة الرائدة أن هذا الفرع الفكري المنسي لا يُبنى فقط في أروقة الجامعات وقاعات البحث، بل يولد من جديد من رحم الإرادة الفولاذية للفرد الكوردي، وبأسلوب مبتكر ينبع من عمق وجدان أمة تتطلع إلى الانعتاق. من هنا، يبرز بُعدٌ جديد للقومية؛ فهي ليست مجرد نتاج ثانوي للرأسمالية أو الطباعة، بل هي وليدة الظلم الممنهج والحرمان من الحقوق الذي تشعر به الأمة في ظل غياب الكيان السيادي. فالناسيوناليزم الكوردية، بدلاً من أن تكون مجرد عملية اقتصادية جافة، هي مسار نضالي لمناهضة الاضطهاد وبحث دؤوب عن العدالة التاريخية المفقودة.
لكن ما يبعث على التأمل العميق والقلق البالغ اليوم هو داهية الموقف الذي يواجهه هذا "الجزء الخامس" في بلاد الغرب. فهذه الجالية التي ترعرعت في كنف القيم الليبرالية والديمقراطية الغربية، تواجه الآن ضغوطاً وتحديات تذكرنا في جوهرها بصنوف الظلم والاضطهاد التي عانت منها أجزاء كوردستان الأربعة. ومما يستدعي التوقف عنده بجدية هو تعامل بعض الدول الأوروبية مع ملف اللاجئين بعيداً عن المبادئ الإنسانية، عبر اللجوء إلى سياسات "الترحيل القسري" الجائرة، خاصة بحق أولئك الذين أمضوا عقوداً في تلك المجتمعات وصاروا جزءاً لا يتجزأ من نسيجها الحضاري.
إن حكومة إقليم كوردستان، واستناداً إلى إرثها السياسي المبدئي في رفض كل أشكال التهجير القسري والتغيير الديموغرافي، تعلن موقفاً حازماً ضد الإعادة القسرية للاجئين. هذا الموقف ليس مجرد شعار، بل تُرجم فعلياً بمنع استخدام مطارات الإقليم كمنصات لهذه العمليات اللاإنسانية. إلا أنه ومن المؤسف حقاً أن نرى استمرار هذه العمليات عبر مطار بغداد، والتي تطال حتى إخوتنا الإيزيديين الذين لم تندمل جراحهم بعد من هول ما ارتكبه تنظيم داعش الإرهابي بحقهم من إبادة.
إن حكومة الإقليم، رغم الأزمات المالية والقيود الاقتصادية، تبذل قصارى جهدها لإعادة دمج هؤلاء العائدين في مفاصل المجتمع الكوردستاني، لكن ثمة حقيقة مُرّة مفادها أن حجم التحديات، لاسيما الاقتصادية والثقافية، يفوق الإمكانيات المتاحة حالياً. ختاماً، يجب التأكيد على أن الشتات الكوردي ينظر اليوم بكرامة وأمل إلى إقليم كوردستان باعتباره الكيان الحر، وإلى أربيل بوصفها العاصمة المعنوية والسياسية للأجزاء الخمسة. لذا، يقع على عاتق حكومة الإقليم مسؤولية وطنية ودبلوماسية قصوى لتكثيف حراكها الدولي لحماية كرامة وحقوق الكورد في المهجر وإيجاد حلول جذرية تضمن بقاءهم الآمن في الدول التي نزلوا بها مقيمين.
