• Friday, 09 October 2026
logo

صدمة العملة؛ بين الدستوریة وعدالة الفقه المعاملاتي

صدمة العملة؛ بين الدستوریة وعدالة الفقه المعاملاتي

رةنج باراوةي

عندما لجأت الحكومة العراقية والبنك المركزي إلى تثبيت سعر بيع مئة دولار على أساس 152 ألف دينار من خلال القرار رقم (544) لسنة 2026، فإنما كان ذلك لجوءاً إلى حلول مؤقتة اضطرارية وليست جذرية. هذا القرار، وإن بدا في ظاهره الإداري والدستوري محاولة للسيطرة على اضطرابات السوق، إلا أنه صدر في جوهره بمعزل عن موازنة القدرة الشرائية للمواطن ومبادئ العدالة الدستورية؛ في الوقت الذي تفرض فيه الضرورة أن تتولى الدولة ومحاكم القضاء الإداري رقابة صارمة على القرارات التي تلقي بأعبائها المالية مباشرة على كاهل الطبقات الهشة، إعمالاً لمبدأ تكافؤ الفرص وحماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية المنصوص عليها في المادتين (25 و30) من الدستور. وما يثير القلق في هذه المعادلة أن الأرباح الخيالية ما زالت تذهب إلى جيوب ثلة من الاحتكاريين والمتنفذين، بينما تواصل الخزينة العامة وكرامة الفرد تراجعها المضطرد.

تخلق هذه القيمة الجديدة للعملة ظاهرة (التضخم المستورد) بشكل مباشر. وبحكم كون العراق بلداً استهلاكياً بطبيعته ويستورد معظم احتياجاته من الخارج، فإن صعود قيمة الدولار يأتي كطوفان مدمر يتسبب في ارتفاع جنوني لأسعار الغذاء والسلع والأدوية في السوق. وهنا تبدأ المأساة الحاكية عن (الانهيار النفسي والاجتماعي العميق)؛ فالقلق المستمر لرب الأسرة في تأمين قوت يومه، وتصدع البنية الأسرية (انسجاماً مع ما تقرره المادة 29 من الدستور بشأن حماية الأسرة)، وتراجع الثقة الاجتماعية، ليست سوى نتائج حتمية لهذا التراجع الاقتصادي. وفي هذا السياق، يبرز تباين صارخ بين القطاعين العام والخاص؛ فموظفو القطاع العام، ورغم قسوة الوضع، يملكون حداً أدنى من الدخل الثابت، بينما تواجه طبقة العمال والكسبة وموظفي القطاع الخاص هذه الموجة التضخمية من دون أي شبكة أمان اجتماعي، ليمسي دخلهم الشهري في خانة (الرصيد السالب) قبل منتصف الشهر. وهكذا يجد الموظف أو العامل البسيط نفسه مضطراً للاستدانة لمواجهة السعار الارتفاعي لإيجارات السكن والمعيشة، بينما يرزح التجار تحت وطأة الكساد وانهيار رأس المال نتيجة غياب القدرة الشرائية للمواطن.

ولا تقتصر موجة الغلاء هذه على الأسواق وحدها، بل تمتد لتخنق القطاع الزراعي؛ فالمزارع يقف بين مطرقة ارتفاع تكاليف الإنتاج وسندان عجز المواطن عن الشراء ليجد نفسه مجبراً على إتلاف محصوله. ومثل ذلك يقال عن قطاع النقل والقطاعات الخدمية الأخرى، حيث لا تنفك الأزمات تعصف بها، إذ يفقد الفرد أي قدرة على الادخار حين ينحصر دخله طوعاً في حدود لقمة العيش، وهو ما يتعارض مع الحق الأساسي في مستوى حياة كافٍ لمعيشة أسرة تتناسب مع كرامة الإنسان الدستورية.

ولكن، عندما تتجاوز الأزمة حدود الاقتصاد البحت لتلج إلى (عمق أصول الفقه وقواعد المعاملات المالية)، تأخذ القضية بُعداً شرعياً بالغ الحساسية. فمن منظور الأصول الفقهية، حين يُعقد عقد البيع والشراء أو الاقتراض (كشراء هاتف أو سلعة بالتقسيط)، تبنى على الحكم والأساس المنطقي للعقد على (استقرار الثمن) وقت إبرامه. وفي عصرنا هذا، تعمد بعض المصارف والشركات الحديثة تحت ستار (نموذج البيع بالربح المسبق) أو عبر توظيف (الحيل الشرعية) وتغيير مسميات الأقساط، إلى اجتراح سبل لمضاعفة الأرباح واستخلاص فوائد إضافية جراء تراجع العملة. فعندما اقتنى مواطن جهازاً هاتفياً بقسط شهري قدره مئة وخمسون دولاراً في زمن كان البنك المركزي يحسب فيه الدولار بسعر مغاير، فإن القاعدة الفقهية القائلة (اليقين لا يزال بالشك) ومبدأ (الرضا المتبادل) يقضيان بأن المبلغ المحدد قد استقر كدين ثابت في الذمة.

وهنا، من منظور مقاصد الشريعة الإسلامية (التي تعد حماية الأموال وحفظها غاية مستقلة)، لا يبرر تقلب قيمة العملة في السوق أن تقوم شركات التقسيط بزيادة العبء على المدين ورفع السعر إلى مئتي ألف دينار بحل شتى الحيل من دون أي زيادة حقيقية في قيمة السلعة. ففي ميزان الفقه، كل زيّادة تُؤخذ مقابل أجل الدين نتيجة انخفاض العملة وتجاوز أصل الدين، تدخل حتماً في دائرة (الربا الجلي أو الخفي) وتصطدم بـ (القاعدة الفقهية: الضرر يزال)، فضلاً عن كونها نقيضاً صريحاً لحديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام».

من منظوري الخاص أن أي قرار اقتصادي أو إداري يتسبب في زعزعة الاستقرار المالي للأسر، ويمثل انتهاكاً للحقوق الدستورية للمواطن وحرمانه من العيش الكريم، يعد قراراً غير دستوري وغير قانوني. إن القرار رقم (544) لسنة 2026، بالشكل الذي يحمل عبء الأزمة على كاهل الطبقات الهشة ويبيح للمحتكرين تحقيق مكاسب فاحشة، يصطدم تصادمًا صارخاً بروح المواد الدستورية (25، 29، و30) من دستور جمهورية العراق؛ فالدولة بموجب الدستور هي المسؤول الأول عن صيانة العدالة الاجتماعية، وقطع دابر الاستقرار السلبي، وكفالة الرواتب وسبل المعيشة، لا معاقبة الشعب عبر سياسات نقدية غير متوازنة.

وعليه، فإن دور لجان الفتوى وعلماء الأصول والفقه في هذه النازلة ليس التفرج والحياد، بل يقتضي الانطلاق من قاعدة (تغير الأحكام بتغير الزمان والمكان) لا لتشريع الظلم، بل على العكس؛ لحماية الضعفاء وقطع الطريق أمام الحيل الملتوية التي تستغلها المصارف والشركات لتحقيق مكاسب غير عادلة. كما يقع على عاتق الدولة ومحاكمها فرض التدابير الرامية إلى خفض الرسوم الجمركية، ودعم الإنتاج المحلي، ومواءمة الدخل مع معدلات التضخم؛ ذلك أن العدالة الاقتصادية ومقاصد الشريعة جاءت ابتداءً لصيانة كرامة الإنسان وحفظها، لا لتحقيق مكاسب مؤقتة للمحتكرين.

*باحث اقتصادي وقانوني

 

 

 

 

Top