أ.د. إدريس رمضان حجي الأستاذ في جامعة صلاح الدين - أربيل: عِوضاً عن التوجه نحو سوق عامة كبرى، البدء بمشاريع المناطق التجارية الحرة في المنافذ الحدودية
استعرض الأستاذ الدكتور إدريس رمضان حجي، الأكاديمي في جامعة صلاح الدين بأربيل، رؤاه ومقترحاته خلال مشاركته في ندوة "حلقة الحوار" التي عُقدت تحت عنوان (الأثر الاقتصادي والسوق المشتركة في عملية بناء الأمة)، حيث جاءت مداخلته على النحو الآتي:
أتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى قسم الثقافة والإعلام في الحزب الديمقراطي الكوردستاني، وأرحب ترحيباً حاراً بكافة الأكاديميين والمثقفين والسياسيين القادمين من أجزاء كوردستان الأربعة للمشاركة في هذا الديبيت الاستراتيجي الهام. إن اجتماع القيادات الفكرية والسياسية في صعيد واحد لتدارس مصيرنا المشترك يمثل ضرورة ملحة وفرصة ذهبية. إن المداولة وتبادل الآراء حول الأسئلة والمواضيع المطروحة لا تشكل مجرد خلفية تاريخية أو نظرية، بل هي بمثابة خارطة طريق حقيقية للمستقبل، مما يوجب علينا مقاربة المعادلات الجيوسياسية، الاقتصادية، والسياسية لكافة أجزاء كوردستان برؤية علمية وواقعية رصينة.
•الواقع الجغرافي والجيوسياسي لكوردستان:
تتبوأ كوردستان، من منظور استراتيجي، مكانة مركزية في منطقة الشرق الأوسط. عند تحليل خارطة الأجزاء الأربعة، نلمس ثراءً هائلاً في الموارد الطبيعية والبشرية، غير أن التجزئة التاريخية حالت دون تسخير هذه المقومات في خدمة تكامل اقتصادي قومي. وبالنظر للأوزان الجغرافية، نجد ثقلاً جيوسياسياً ملموساً:
أولاً، جنوب كوردستان: تبلغ مساحته نحو اثنين وسبعين ألف كيلومتر مربع، وهو يمثل حجماً بارزاً مقارنة بالعراق مع وضع دستوري خاص.
ثانياً، شمال كوردستان: تتجاوز مساحته مائتين وثلاثين ألف كيلومتر مربع، مشكلاً حوالي تسعة وعشرين بالمائة من مساحة تركيا، مما يمنحه ثقلاً ديموغرافياً وجغرافياً هائلاً.
ثالثاً، شرق كوردستان: يغطي مساحات تعادل ما بين عشرة إلى اثني عشر بالمائة من جغرافية إيران.
رابعاً، غرب كوردستان: يمثل جزءاً حيوياً من شمال وشرق سوريا، ويمتاز بوفرة الموارد الزراعية والطاقة. تبرهن هذه الأرقام أن القضية الكوردية تمثل معادلة إقليمية كبرى، إلا أنه رغم اتساع الرقعة، لم يفلح الكورد حتى الآن في إرساء دعائم كيان اقتصادي وسياسي متماسك.
•التحديات الداخلية وأسباب التشتت:
تعد النزاعات السياسية والتباينات الحزبية، والمصالح الشخصية الضيقة، من أعظم العوائق التي اعترضت سبيل القضية، وعملت كحواجز أمام تحقيق الوحدة الوطنية. فحينما يضطرب البيت الكوردي داخلياً، تجد القوى الإقليمية ثغرات للنفاذ والتدخل، لذا فإن إعادة ترتيب الشأن الداخلي تعد الركيزة الأساسية لمجابهة التهديدات الخارجية، فالشعب الموحد يمتلك قدرة أكبر على انتزاع وحماية حقوقه المشروعة. يجب علينا تجاوز لغة العتاب المتبادل والانتقال فوراً إلى مرحلة العمل الفعلي والمنتج. إن أولويتنا تكمن في تمتين الأواصر الداخلية ومد جسور التعاون الوثيق مع أبناء أمتنا في كافة الأجزاء، لما يوفره التبادل الاقتصادي والاجتماعي البيني من حماية حقيقية لرأس المال القومي وتعزيز لمكانتنا في المحافل الدولية. لقد طُرح خلال هذا الحوار مقترح جاد لتأسيس مفوضية نواتها مشتركة، قد تكون البدايات متواضعة وبسيطة، لكنها ستمثل بلا شك حجر الأساس لمشروع قومي مستقبلي عظيم. إن المبادرة وصناعة القرار، رغم جسامة التحديات الراهنة، تظل ضرورة قصوى، لأن كافة أجزاء وطننا تعاني من تحديات سياسية ومصيرية متشابهة، ومن ثمّ فإن أي حراك إيجابي أو نهضة في أي جزء ستنعكس آثارها حتماً وبشكل مباشر على مستقبل بقية الأجزاء الأخرى في نضالنا التحرري المستمر نحو الحرية والعدالة والرفاه الاجتماعي الذي ننشده جميعاً لأبناء شعبنا الكوردي الأبي في كل مكان، لضمان البقاء والازدهار والتطور الدائم والشامل تماماً ونهائياً.
عوائق السوق الكوردية المشتركة
نحو استراتيجية تكاملية واقعية وشاملة
تواجه صيرورة بناء سوق كوردية موحدة تحديات قانونية وإدارية وهيكلية جمة، منبعها الأساسي هو التوزع الجغرافي القسري عبر أربع كيانات سياسية متباينة في جوهر أنظمتها، مما يفرض وجود أربعة أطر قانونية مختلفة، وأربعة أساليب إدارية متباعدة، فضلاً عن ارتباط العملات والاقتصادات المحلية عضوياً بأسواق الدول المركزية المحيطة، مدفوعة برؤى واستراتيجيات سياسية متباينة للأحزاب والقوى الفاعلة على الساحة القومية.
بيد أن هذه العقبات الموضوعية لا يجب أن تؤول أبداً إلى حالة شلل تام في مسارات التعاون الاقتصادي البيني. فبدلاً من الرهان على سوق قومية شاملة صعبة المنال في ظل الراهن السياسي المعقد، يمكن الانتقال بمرونة نحو نموذج "المناطق التجارية الحرة" في النقاط الحدودية المشتركة. تمثل هذه المناطق Free Zones منصة استراتيجية حيوية تتيح للتجار والمستثمرين من كافة الأجزاء تجاوز التعقيدات القانونية والبيروقراطية الكبرى، وتأسيس مشاريع صناعية وتجارية مشتركة تساهم بفعالية في حماية رأس المال القومي وتوطينه داخل جغرافية المنطقة.
وعلى الرغم من أن التشكيلة الوزارية التاسعة لحكومة إقليم كوردستان قد بادرت سابقاً لطرح رؤية طموحة لإنشاء هذه المناطق لتعزيز التكامل، إلا أن المشروع ظل أسير العرقلة التنفيذية والمماطلة، نتيجة وطأة التجاذبات الداخلية، والمناورات السياسية الضيقة، والضغوط الإقليمية الممنهجة التي تسعى جاهدة لإدامة حالة التبعية الاقتصادية المطلقة للإقليم ومنع نهوضه المستقل.
لذا، يقع على عاتق المؤسسات الأكاديمية والسياسية القيام بمسؤولية تشخيص أسباب تعثر هذه المشاريع عبر دراسات علمية رصينة، لجعل الاقتصاد محركاً حقيقياً للازدهار القومي. إن تفعيل المناطق الحرة وربط المصالح المالية بين الفاعلين هو المسار الأمثل لتفكيك العوائق وبناء مستقبل كوردستاني مشرق ومستدام ومزدهر للجميع.
تحول عقلية العمل المشترك بين أجزاء كوردستان
نحو رؤية استراتيجية تكاملية
إن تعزيز آفاق التعاون المشترك وتطوير العلاقات البينية الشاملة بين الأجزاء المختلفة لكوردستان يمثل أحد المحاور الجوهرية التي تقتضي تسليط أضواء الفكر المعمق وإطلاق المبادرات العملية الجادة. وحينما يتركز الحديث حول آليات التعاون الاقتصادي وفرص الاستثمار، يبرز إقليم كوردستان باعتباره مركزاً حيوياً منفتحاً يزخر بالإمكانات الواعدة، مما يؤهله ليكون بوابة استراتيجية لصهره وطاقات الموارد البشرية والمالية للكورد في شرق وغرب وشمال كوردستان. إن هذه الأبواب المشرعة للإقليم أمام مواطني الأجزاء الأخرى تمثل فرصة تاريخية لمزج الخبرات وتلاقح الأفكار، ومع ذلك، فإنه من الأهمية بمكان مقاربة النواقص والعقبات القائمة برؤية واقعية تلامس جوهر التحديات.
من المؤسف أننا نشهد، في أحيان كثيرة، نماذج متواضعة في ترجمة هذه الرؤية على أرض الواقع، حيث يواجه المستثمرون أو المواطنون من الأجزاء الأخرى لكوردستان، أثناء ممارستهم لأنشطتهم المهنية أو سعيهم للاستقرار في الإقليم، جملة من العراقيل والتعقيدات الإدارية المتنوعة. وحينما تبادر جهة أو فرد من جزء آخر بمد جسور التعاون، فإن الواجب الوطني يفرض توفير كافة التسهيلات النظامية والقانونية لهم وتقديم الدعم اللازم، لأن هذه الخطوات لا تنحصر ثمارها في النطاق الفردي الضيق، بل تسهم بفاعلية في دفع عجلة التنمية الشاملة لإقليم كوردستان وتعزيز مكانته الجيوسياسية في المنطقة ككل.
وعلاوة على الأبعاد الاقتصادية، لا بد من الإدراك بأن تجربة الحكم في إقليم كوردستان لا ترتبط حصراً بتلك الحدود الجغرافية التي تأسست ضمنها، بل إن نجاح هذا الإقليم يترك أصداءً إيجابية ملموسة على الأجزاء الأخرى أيضاً. ومن هذا المنطلق، فإن العلاقات الدبلوماسية والخارجية للإقليم مع المجتمع الدولي لا تخدم المصالح الداخلية فحسب، بل يمكن توظيفها كمنصة رصينة للتعريف بالقضية الكوردية والحقوق المشروعة للكورد في كامل المنطقة.
ولكي نتمكن من نقل هذه العلاقات من حيز الشعارات العاطفية إلى مرحلة التنفيذ العملي، يتعين علينا أولاً العمل على استكشاف ونقاط الالتقاء والمساحات المشتركة القائمة بين الكورد في الأجزاء الأربعة. هذه المشتركات يمكن بلورتها في ميادين متنوعة مثل الثقافة، والتربية، والتجارة، والتنمية الاجتماعية. والمقترح الأمثل في هذا الصدد هو عدم انتظار المشاريع الكبرى أو التغييرات الجذرية المتسارعة، بل البدء بمشاريع محلية صغيرة ومستدامة. فالإنجازات الصغيرة حينما تُدار بنجاح، تساهم في بناء جسور الثقة بين الأطراف، وتعبد الطريق مستقبلاً لمشاريع استراتيجية أوسع. وعلى العكس من ذلك، إذا كانت المبادرات صادرة عن طرف واحد فقط دون استجابة أو تفاعل إيجابي من الطرف المقابل، فإن العمل سيصاب بالنكوص، مما يؤدي إلى تبديد الآمال وإشاعة مناخ من الإحباط بين الناشطين والشركاء، ويترك أثراً سلبياً عميقاً على الثقة المتبادلة.
من جانب آخر، يبدو جلياً أن مسار هذا التعاون والتطوير لا يخلو من التحديات الجسيمة، إذ تشكل العوائق الإدارية والقانونية والدستورية، التي تضعها الحكومة الاتحادية في بغداد غالباً، كوابح حقيقية أمام توسيع نطاق علاقات الإقليم مع المناطق الكوردية الأخرى. فبغداد تسعى مراراً، عبر توظيف صلاحياتها الدستورية والإدارية، إلى مراقبة أو تقييد أنماط معينة من التعاون الاقتصادي والاجتماعي. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل ينبغي لهذه العقبات أن تؤدي إلى الفتور ووقف الجهود؟ يقيناً لا، بل يجب النظر إلى المستقبل بمنظور يتسم بالتفاؤل والمنطق الاستراتيجي. ورغم تكدس التحديات حالياً، فإن صياغة استراتيجية متماسكة للسنوات القادمة كفيلة بتحقيق نتائج مثمرة، والبدء بالخطوات الصغيرة مع الاستمرارية هو المفتاح لتجاوز تلك المطبات القانونية والإدارية الراهنة.
ولإثبات أهمية هذه الوشائج القومية والاجتماعية، يمكننا الاستناد إلى التاريخ المعاصر الحافل بالنماذج الحية والمجسدة. ومن أبرز تلك الأمثلة، الموقف التاريخي المشرف لأبناء شرق كوردستان إبان الانتفاضة والنزوح المليوني عام 1991 في جنوب كوردستان. ففي تلك الحقبة العصيبة، احتضن شعب شرق كوردستان إخوتهم النازحين بقلوب مفتوحة وروح مفعمة بالإخلاص، مقدمين كافة أنواع الدعم الإنساني الممكن. إن هذه الصور من التعاضد التاريخي تؤكد بوضوح أن الحدود المصطنعة لا يمكنها، في لحظات الاختبار الحقيقية، أن تحجب فيض التضامن القومي. لذا، من الضروري أن يفتح إقليم كوردستان اليوم أبواب التعاون بالروحية ذاتها لكل من يحتاج الدعم أو يطمح للعمل المشترك.
ختاماً، إن التركيز على مستوى الوعي والعقلية الفردية والمجتمعية يظل ضرورة لا تقبل التأجيل. وكما أشار الأستاذ الدكتور حسين في طروحاته، فإن ركيزة أي تحول جذري تبدأ من نمط تفكير الأفراد. إن المعضلة الكبرى التي تشوب مجتمعنا تكمن في هيمنة نزعة "الأنانية" وحصر الرؤية في المصالح الشخصية الضيقة. فعندما ينكفئ الفرد على تحقيق مكاسب ذاتية قصيرة الأمد دون اكتراث لمكانة الطرف الآخر، يصاب مسار الشراكة بالشلل التام. ولتحقيق النجاح في أي مشروع، لا بد من إحداث ثورة في هذه العقلية، من خلال الإنصات لرؤى الآخرين واحترام قدراتهم، والسعي للوصول إلى نقطة توازن تضمن مصالح الجميع. فإذا استمر التركيز على الرغبات الفردية فحسب، ستتضخم نقاط ضعفنا وتضيع الفرص الثمينة من بين أيدينا.
إن بناء علاقة متوازنة ورصينة بين أجزاء كوردستان يتطلب جهداً دؤوباً وتخطيطاً محكماً. وبوسع إقليم كوردستان، بصفته كياناً دستورياً، أن يضطلع بدور الريادة في تهيئة بيئة محفزة للاستثمار والأنشطة المشتركة، بعيداً عن البيروقراطية المنفرة. ومن خلال تجاوز عقلية الاستئثار وتكريس الجهود نحو المشاريع الصغيرة والمؤثرة، يمكن وضع حجر الأساس لمستقبل أكثر إشراقاً وتعاون استراتيجي شامل يخدم المصالح العليا لكافة الأطراف، ويحقق الازدهار المنشود للأمة الكوردية في كافة الميادين.
